«السقوط أو إمبراطورية العزلة» هو كتاب عن نابليون الذي وصل إلى أوج السلطة والمجد قبل «السقوط» الذي قاده إلى المنفى والسجن والموت ، ويرى المؤلف دومينيك دوفيلبان أن ذلك «الرجل الوحيد» نابليون كان «مكبّلا» بين ثقته أنه «رجل محظوظ» وبين حالة من الشك المستدام الذي سيطر عليه.

وكمحصلة لهذه العلاقة المزدوجة والمشدودة بين نقيضين خضع لـ «أوهام القوة» وكان مسكونا بشكل دائم بـ «رغبة كتابة صفحة إضافية في قصة حياته الشخصية».

إن دوفيلبان يقتفي مسيرة نابليون منذ الحرب الأهلية الاسبانية وحتى الصحاري «المتجمّدة» في روسيا، كي يبيّن مدى هشاشة تلك الإمبراطورية «المستحيلة» التي أقامها أحد أشهر ساسة فرنسا في جميع العصور. وتأتي هشاشتها، كما يرى، من العجالة الكبيرة التي عرفها بناؤها وبوقت مبكّر جدا ودون أن تكون مؤسسة على أية شرعية حقيقية. هذه الأمور كلها دفعتها إلى السقوط.

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتكرر على مدى صفحات الكتاب بالقول أنه بمقدار ما كانت الإمبراطورية النابليونية تتسع إلى أطراف مترامية أبعد فأبعد كانت تفقد أيضا من قوتها ومن شرعيتها. وبهذا المعنى يحدد دومينيك دوفيلبان «مأساة» نابليون في أصل مغامرته الإنسانية في سنواته الأخيرة وحيث ارتسمت خطوطها الأولى في اسبانيا واستكملها نابليون في روسيا.

ويتم التأكيد أن مغامرة نابليون في روسيا لا تجد ما يبررها سوى «النهم» إلى العظمة لدى نابليون الذي كان يعتقد أن جميع الأبواب مفتوحة أمامه. لكن كان انهيار «الجيش النابليوني العظيم» هو المقدمة التي تلاها في السنة اللاحقة انهيار «الإمبراطورية العظمى» عام 1813 ثم سقوط نابليون نفسه الذي كان «محتوما» رغم الانتفاضة الأخيرة التي عرفتها الحملة الفرنسية.

هذه المسيرة النابليونية خلال السنوات الأخيرة للإمبراطور الذي هزّ أوروبا والعالم المحيط بها، وصاحب الغزوة الشهيرة على مصر في العامين الأخيرين من القرن الثامن عشر، تلخصها عناوين الأقسام الثلاثة التي يتألف منها الكتاب وجاء بالتتالي: الوهم ثم الفخ ثم الهاوية. وهذه الأقسام الثلاثة تحتوي على فصول عشرة.

لكن ورغم المأساة التي عرفها نابليون عندما انحدر من قمة مجده إلى حضيض تبعية مصيره لما يريده الآخرون الإنكليز أساسا-، يؤكد دومينيك دوفيلبان قوله: «لقد كان نابليون عظيما في سقوطه كما كان عظيما في فترة أمجاده». ويرى أنه تنطبق على نابليون القاعدة الشهيرة «بمقدار ما تسمو مكانة الإنسان تزداد عزلته».

ذلك على خلفية تحليل يقول أن رجل الدولة يواجه بالضرورة نوعين من العزلة. عزلة مختارة وضرورية تتيح له المساحة التي يستطيع معها أن ينتقي خياراته دون ضغط خارجي، وهذا ما يسميه المؤلف بـ «مختبر المصلحة العامة». هذه المصلحة العامة من الصعب تحديدها، كما يقول، في وسط يملأه الضجيج والإشاعات والضغوط المختلفة.

كذلك يتحدث دوفيلبان عن نوع أخر من العزلة، وهي تلك التي يعاني منها رجل الدولة عند ابتعاده من السلطة وعن الأضواء. إنه يجد نفسه فجأة محاطا بـ «الصمت» بدلا من الضجيج وبانفضاض الناس من حوله وهو الذي كان الجميع يطلبون رضاه ويتوددون إليه. لكن مثل هذا النوع من العزلة كان يبعث القوة لدى نابليون مثل «النسر» الذي يلمّ جناحيه كي ينقضّ بقوة أكبر. تلك كانت هي حالة نابليون في منفاه بجزيرة «ايلبي» حيث لم تكن تقطع عزلته سوى بعض الرسائل وبعض زيارات الأهل. وكان بالنسبة له مناسبة كي يستعيد «صحته البدنية ويختزن طاقة ضرورية من أجل الطيران من جديد»، وحتى عندما نفوه إلى جزيرة القديسة هيلانة كان على قناعة أنه سيعود إلى ساحة الفعل من الجديد، أو على الأقل «لم يفقد أمل العودة».

وما يؤكده المؤلف هو أن نابليون كان شخصية «متعددة الوجوه» وكان مؤهلا دائما لـ «الانتفاض من رماده» كان مكروها من قبل البعض ومحبوبا من قبل البعض الآخر. لكنه أظهر قدرة هائلة على أن يجسد حلما فرنسيا «أكبر من الفرنسيين» أنفسهم، وقدرة هائلة أيضا في التصدّي للأزمات وحلّها. هكذا استطاع أن يترك بصماته على التاريخ بعده وهي لا تزال ظاهرة للعيان في فرنسا وجوارها الأوروبي، على الأقل.

وكان نابليون كما يرى دوفيلبان هو المساهم الأول في الأسطورة التي أحاطت بشخصيته حيث تبنّى «سياسة إعلامية» لا مثيل لها من قبل. ويصفه أنه «رجل التواصل العظيم الأول في العصور الحديثة»، ذلك أنه عرف كيف يؤثر على «البسيكولوجية الجماعية» ويعبئ النفوس حول مشاريعه. وكان حريصا في ذلك كله على المصالحة بين الفرنسيين بحثا عن إصباغ الشرعية على طموحاته. لكن إخفاقه الكبير، ثم «سقوطه» كان في مشروعه الإمبريالي القائم على مفهوم القوة.

الكتاب: السقوط أو إمبراطورية العزلة

تأليف: دومينيك دوفيلبان

الناشر: بيران باريس 2008

الصفحات: 560 صفحة

القطع: المتوسط

La chute ou l'empire de la solitude

Dominique de Villepin

8002 siraP - nirreP

560P.