يحاول رون سوسكيند في كتابه الجديد« وجهة العالم » أن يلقي الضوء على الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة الأميركية تفقد «سلطتها المعنوية» في العالم وهي تحاول بشتى السبل استعادتها على أساس أنها إحدى الركائز الأساسية في المحافظة على بقائها كقوة عظمى، هذا إذا لم يكن على بقائها، بالمعنى المحدد لهذه الكلمة.
ويقدم المؤلف أيضاً نوعا من التأريخ للعلاقات بين السياسات العالمية ونشوب الحروب ومما ستكون له آثاره الكبيرة بالنسبة للأجيال القادمة. وبنفس الوقت هو تأريخ أيضا، أو ربما بدقة أكثر، هو توصيف للعالم بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ومن خلال رؤية على عدة مستويات تتم محاولة دراسة الكيفية التي تخلّت فيها أميركا عن ممارسة سلوكيات كانت قد تبنّتها باسم المبادئ الأخلاقية من أجل مكافحة ما اعتبرته التهديد الحقيقي الذي يجسده في هذا العصر، حسب الرؤية التي تمّ الترويج لها، إمكانية وقوع أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاح النووي، بيد مجموعات تتبنّى العنف الإرهابي في وجه الديمقراطيات في العالم، وذلك كله تحت عناوين عريضة تتعلق بالعدالة والحقيقة والمسؤولية.ومن الملاحظ أن المؤلف يصل إلى مجموعة من النتائج والأحكام بعيدا عن أية بلاغة خطابية أو مواقف سياسية «باهرة» ولكن عبر اقتفاء مسيرة عدد من الأفراد تشكل تجاربهم «مع أميركا» النتيج الرئيسي لهذا الكتاب. و«قصص» هؤلاء الأفراد تعني بما عرفه موظف يعمل في أجهزة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ؟
سي. أي. ايه- وتحديدا في الجهاز المكلف بمكافحة الإرهاب النووي. وتجربة محامي أحد المعتقلين في معسكر غوانتانامو الشهير، وشاب باكستاني مهاجر يبلغ من العمر 24 سنة، ومراهق أفغاني كان قد أمضى عاما دراسيا في الثانوية الأميركية بكابول والسيدة بنظير بوتو في الفترة التي عادت فيها إلى الباكستان «قبل اغتيالها» خلال الأشهر الأخيرة من رئاسة الجنرال برويز مشرّف، ومفوّض شجاع لشؤون اللاجئين لدى منظمة الأمم المتحدة. هؤلاء جميعهم لهم «علاقة» ما بمسائل تخص الأمن القومي الأميركي.
ومن خلال هذه «الحكايات الواقعية» المتعددة والمتنوعة يحاول المؤلف أن يبيّن «النهج الحقيقي للعالم» في فترة يشكل فيها الرعب السمة الأولى للخلفية التي تقوم عليها العلاقات الدولية. ويبيّن الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة تفقد الكثير من سلطتها الأخلاقية والمعنوية في العالم خلال السنوات الأخيرة. ويشرح في نفس السياق الطريقة التي تناضل فيها عبر عمليات ومبادرات يقوم فيها أفراد غالبا من أجل استعادة هذه السلطة.
ويحتوي هذا الكتاب على العديد من المعلومات التي يتم الكشف عنها، ويجمل بعضها الكثير من الإثارة، خاصة فيما يتعلق بطاهر جليل حبوش، مسؤول الأمن العراقي في عهد الرئيس صدام حسين، وهو مثله من «تكريت» أيضا.
ويؤكد المؤلف أن أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية قد أقامت اتصالات مع المعني قبل غزو العراق وأوضح حبوش فيها أن العراق لا يمتلك أية أسلحة للدمار الشامل وأنه لم يأخذ الغزو الأميركي للعراق على محمل الجد.
ويؤكد المؤلف، حسب المعلومات المتوفرة لديه، أن موظفين تابعين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - سي. آي. ايه- قاموا عام 2003 وبتوجيه مباشر من مدير الوكالة آنذاك جورج تينيت وبطلب من البيت الأبيض بدبلجة رسالة مزوّرة مفادها أن محمد عطا، أحد الرؤوس المدبرة، كما قيل، لتفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، قد تلقّى تدريبه على مهمته في العراق وأن تنظيم القاعدة قد سهّل نقل «إرساليات غامضة» من النيجر إلى العراق ؟
إشارة لمادة اليورانيوم. حملت تلك الرسالة تاريخا مسبقا وكانت موجهة «زعما» من مسؤول الأمن العراقي آنذاك الجنرال حبوش للرئيس صدام حسين. وكان المقصود بها باختصار التدليل على وجود علاقة بينه وبين تنظيم القاعدة.
ويشير رون سوسكيند إلى أن المسؤول الأمني العراقي قد أبلغ عنصر استخبارات بريطاني منذ شهر يناير 2003 أن الرئيس صدام قد وضع حدا نهائيا لبرنامجه النووي قبل 12 سنة وأنه دمّر ما يمتلكه من احتياطي الأسلحة الكيمائية وأنه لم يطلب من أحد أبدا الشروع باستئناف الحصول على مثل تلك الأسلحة. لكن التقرير الذي ضمّ تلك المعلومات جرى «إخفاؤه»، فآلة الحرب كانت قد تحركت.
رسالة المسؤول الأمني العراقي المزوّرة قد تكون الأكثر إثارة بين المعلومات التي يتم الكشف عنها، لكنها ليست الوحيدة، إذ يتم التأكيد أنه منذ شهر سبتمبر 2002 قال وزير الخارجية العراقية آنذاك ناجي صبري عبر «وسيط لبناني» أن صدام لا يمتلك حقيقة أية أسلحة دمار شامل.
ما يؤكده سوسكيند هو أن معلوماته تعتمد بشكل رئيسي على شهادات ولقاءات أجراها مع عاملين في أجهزة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. ويصل من خلال ما يقدمه من شرح إلى القول أن البيت الأبيض قد «أساء استخدام» المعطيات المتوفرة لديه من أجل توجيهها في المنحى الذي توجد فيه مصالحه، كما يراها.
أما رسالة هذا الكتاب فقد تلخصها الجملة التالية: «فليلتحق الجميع بالمعركة من أجل الأمل، الأمل الذي يشترك فيه الجميع، ومن أجل إضاءة الطريق أمام البشرية (...) وإلى ما كان قد أنقذنا في الماضي».
الكتاب: وجهة العالم، تاريخ الحقيقة والأمل في عصر التطرف
تأليف: رون سوسكيند
الناشر: هاربر نيويورك 2008
الصفحات: 432صفحة
القطع: المتوسط
The way of the world, a
an age of extremism
dniksuS noR
8002.Y.N repraH
T432 P.

