يقول جان بيير شانجو صاحب كتاب «حول الصحيح والجميل والجيد» إنه : أنجز هذا الكتاب بالاعتماد على ثلاثين سنة من التدريس في الكوليج دو فرانس. ويعالج فيه الثقافة والفن الموسيقى والرسم- ويناقش الحياة في المجتمع وقيم الأخلاق ودلالة الموت. وكذلك يتطرق اللغة والكتابة كما للأسس العصبية والخلوية للذاكرة ولسبل التعلّم». أنه مشروع واسع كما أراده المؤلف .
وهذا العمل ذو المواضيع المتعددة «يشكل العلم الحديث» الخط الناظم لشروحاتهم وذلك بهدف «إنساني واضح، يحدده المؤلف نفسه بالقول: «يحاول هذا الكتاب أن يبيّن مسؤولية الإنسان في حثّ الدماغ البشري لاختراع مستقبل يسمح للإنسانية الوصول إلى نمط للعيش أكثر تضامنا وأكثر سعادة لكل فرد منّا».ويشكل هذا الكتاب في جزء هام منه نوعا من السيرة الذاتية لصاحبه. وهو يؤكد بداية أن ما ساقه نحو البيولوجيا العصبية يكمن في هواية قديمة تعود إلى زمن المراهقة حيث اهتم بالحشرات الطيّارة من ذباب وغيره. هكذا كان يحرص باستمرار على الذهاب إلى الحقول والغابات، وأيام العطل إلى المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. كان اهتمامه الأول هو بالطبيعة قبل أن يهتم بالبيولوجيا العصبية مشيرا إلى أن لقاء جمعه بالعالم الكبير في علوم الحياة «جاك مونو» الذي كان يعمل في معهد باستور. لقد دخل مؤلف هذا الكتاب إلى ذلك المعهد و«لم يخرج منه حتى الآن»، كما يقول.
أما التجربة الاستثنائية التي يؤكّد عليها المؤلف فتتمثل في الفترة التي أمضاها في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأميركية.
هناك عمل مع الأستاذ «دافيد ناكمانسون» الذي كان قد ركّز دراساته على أنواع من الأسماك المزوّدة ب«أعضاء كهربائية» وما يسميها ب«الصفيحات الكهربائية» تصدر شحنات قوتها عدة مئات من الفولط.
من خلال تلك التجربة «الأميركية انبعثت لدى المؤلف رغبة مراقبة الطبيعة من جديد وهناك تعلّم تشريح «الصفيحات الكهربائية» وبدأ بمحاولة شرح آليات عملها وإصدارها للشحنات القوية. هكذا انطلق عند عودته إلى معهد باستور في دراسة «البيولوجيا العصبية للخلايا» وآليات تلقيها للحوافز الخارجية.
ويعتبر جان بيير شانجو أن المساهمة الأساسية التي قدّمها بمشاركة فريق عمله في معهد باستور كانت في الكشف عن آليات «إثارة» و«تلقي» الشحنات الكهربائية الصادرة عن خلال حيّة. كان يعرف انطلاقا من التجارب على الأسماك في جامعة كولومبيا أن تلك الشحنات موجودة.
لكن كان لا بد من إيجاد «كاشف» لتحديد آلية التلقي. هذا «الكاشف» وجده عبر مادى مادة سامة مستخرجة من أفعى تعيش في الغابات الاستوائية بآسيا. بفضل هذه المادّة السامة التي قام بتنقيتها صيدلاني من تايوان اسمه «شن يوان لي» جرى الكشف عن «الكاشف» الأول آلية عمل الشحنات الكهربائية الصادرة عن الخلايا الحيّة. وتمّ فيما بعد اكتشاف وجود نفس المنظومة في الدماغ الإنساني ولدى جميع الثدييات.
كان ذلك الاكتشاف بمثابة نقطة انطلاق هامة في ميدان البحوث العصبية الحيوية. ولا يتردد المؤلف في إعادة ذلك الاكتشاف المتعلق ب«الكاشف» إلى تعرفه على تلك الأسماك في جامعة «كولومبيا». ويؤكد قوله: «لو أنني لم أتعرّف على تلك الأسماك لما كان يمكن لي إنجاز ذلك البحث».
ويؤكد المؤلف أن كل دماغ إنساني له «تنظيمه» الخاص به، وحتى لدى التوائم هناك بعض «الفروقات» على صعيد القشرة الدماغية. لكن بالمقابل هناك على جميع المستويات آلية تسمح للدماغ بتخزين عناصر الثقافة وطريقة المشي وصولا إلى تعلم اللغة وإدراك المفاهيم المجرّدة.
والبيئة المحيطة تلعب دورا هاما في هذه العملية كلها. هكذا مثلا هناك نائة تعبير لدى شعب «الاسكيمو» مثلا للدلالة على الثلج بمختلف حالاته من طراوة أو صلابة أو ميوعة.
وكل دماغ يتطور في وسطه الثقافي بقدر كبير من المرونة. هذه المرونة تخفّ مع مرور الزمن والتقدّم في السن. هكذا مثلا يغدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تغيير ثقافة الإنسان البالغ. لذلك ينبغي إعطاء الأهمية القصوى لفترة التكوين بسنّ الطفولة، بتعبير آخر للمدرسة الابتدائية.
وضمن هذا النهج من التفكير يرى المؤلف أن معرفة أفضل بالدماغ الإنساني تعطي تنوع التجارب الشخصية وتنوع الثقافات ما يستحقه من قيمة، والأمر نفسه بالنسبة لتعددية مفاهيم العالم الذي نعيش فيه.
الكتاب : حول الصحيح والجميل والجيد: مقاربة عصبية جديدة
تأليف: جان بيير شانجو
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2008
الصفحات: 544صفحة
القطع: المتوسط
Du vrai, du beau, du bien : une nouvelle approche neuronale
Jean-Pierre Changeux
Odile Jacob
Paris 2008
544 P.

