أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية هذه المقابلة مع الروائي الباكستاني محمد حنيف، في الإطلالة الأولى في سلسلة المقابلات التي أجرتها مع الروائيين المرشحين للفوز بجائزتها عن الكتاب الأول، حيث ألقى الضوء على روايته «ثمار المانجو المتفجرة» والصعوبات التي واجهتها في الظهور حيث أجمع الناشرون الباكستانيون على رفضها لطابعها الخلافي، وأشار إلى أن قفزة في الظلام بجناحي الخيال كانت وراء انطلاق الرواية، وأن أبرز ما فيها صوت بطلها، على شيجري، ضابط الطيران الباكستاني الذي يجمع حشداً هائلاً من المتنافضات.
وفيما يلي نص المقابلة:
كيف توصلت إلى تأليف رواية عن باكستان الجنرال ضياء الحق؟
إنني أتذكر اللحظة المحددة التي قررت فيها تأليف هذا الكتاب، حسنا قررت فيها تأليف كتاب على أي حال. فقد كنت جالساً في مكتبي في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن عاكفاً على مشاهدة لقطات لحصار مدرسة بيسلان. وكانت هناك تلك الفصول الحافلة بالمتفجرات والتلاميذ الذين انكمشوا على أنفسهم والآباء الذين استبد بهم الرعب خارج المدرسة وعشرات الكاميرات التي تنقل ما يجري في بث حي على الهواء إلى مختلف أرجاء العالم.
وقد كنت صحافياً على امتداد وقت طويل، وخطر ببالي أنه ما من قدر من التغطية المتوازنة أو الخلفية أو التحليل يمكنه الإمساك بهذا اليأس. وكتابي ليست له صلة بالشيشان أو تلاميذ المدارس، ولكن تلك هي اللحظة التي قررت فيها تأليفه. ولم تكن لديَّ إلا فكرة غامضة عن أن هناك قصة وراء الكيفية التي أصبح بها عالمنا على هذا النحو، حيث بدأت هذه الفظائع. ومن الواضح أنني عندما بدأت الكتابة نسيت كل ما يتعلق بدافعي للتأليف.
هل كانت هذه هي محاولتك الأولى للكتابة؟
قبل كتابي هذا، كتبت الكثير في إطار العمل الصحافي، وكتبت سيناريو فيلم مطول ومسرحيتين بالأوردو، قامت هيئة الإذاعة البريطانية باقتباس إحداهما للبث الإذاعي. وكنت منغمساً في كتابة شعر البنجاب، وشرعت أيضاً في تأليف رواية تضم توصيفات جميلة ومطولة للأصائل الصيفية في قرية مجهولة التي تحفل بتنهدات فتى مراهق وانطلاق جواد مجنون، ولكنها لا تضم الكثير من عناصر الحبكة. وهكذا فقد كانت هذه هي محاولتي الأولى لسرد قصة لها بداية ونهاية.
ما الذي جاء أولاً في روايتك؟
صوت شخصيتي الرئيسية، على شيجري، الذي يعد شاباً مميزاً جريئاً، يعرف كل شيء، لكنه في حقيقة الأمر لا يعرف الكثير مما يتعلق بالصغار. وهو ينطلق سعياً وراء الانتقام، ولكنه لا يستطيع أن يميز أصدقاءه من أعدائه. وهو غارق في الحب لكنه لا يستطيع التعبير عنه. وأحسب أنه يشبه الشاب المتوسط في هذا كله.
ما هي الأجزاء الأكثر صعوبة في الرواية بالنسبة إليك؟
قراءة ما سبق أن كتبته، الاستمرار في الانطلاق بالفكرة، عدم معرفة رأي أحد فيما أعكف على كتابته، عدم معرفة موضع إنهاء فقرة ما. ولكنني أحسب أنه، كما في الحياة، فإن الأجزاء الأصعب تبين أنها الأكثر عطاء. وأصبحت الكتابة أفضل، أو على الأقل أكثر امتاعاً بالنسبة لي، عندما قمت بقفزة في الظلام ومضيت إلى أماكن لم أكن أعرفها.
كيف قمت بالأبحاث اللازمة لإنجاز الرواية؟
قرأت الكثير من الكتب عن الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية من تأليف باكستانيين وكذلك أميركيين، ولم تكن هناك إلا أكاذيب. وكانت هناك كتب عن الجنرال ضياء الحق ألفها معاونوه، ويبدو فيها رجلاً ورعاً ومتواضعاً تمكن من وضع نهاية للاتحاد السوفييتي من خلال كونه رجلاً ورعاً ومتواضعاً فحسب، ثم كان هناك المزيد من الكتب التي ألفها متعاونون مع السي.آي.إيه، والتي أسرفت في الحديث عن كيفية انهائهم للشيوعية من خلال كونهم محترفين ودؤوبين في عملهم، وهكذا فقد توقفت عن القيام بالبحث، وابتكرت مجموعة الأكاذيب الخاصة بي، ثم كانت هناك الأجزاء المتعلقة بالطيران ومشاهد التدريب. وعل الرغم من أنني قد قمت بإنجاز هذا كله عندما كنت في سلاح الجو الباكستاني، فقد اضطررت إلى اللجوء إلى موقع «يوتيوب» لإنعاش ذاكرتي في هذا الصدد.
كيف تمكنت من نشر روايتك؟
بعثت بها إلى عدد محدود من الوكلاء الأدبيين، الذين أحدثوا ضجة حافلة بالتشجيع، ولكنهم أرادوا مني القيام بتصليح هذا أو تعديل ذلك في الرواية، بل أن أحدهم وعدني بأن يجعلني مليونيراً إذا كان بوسعي التوصل إلى عنوان أفضل للرواية غير عنوانها الحالي، ثم قالت كلير الكسندر إن كل ما أحتاج إليه هو إصلاح بعض الأخطاء الطباعية، وعندئذ سيكون المخطوط جاهزاً للطباعة، وقد قمت بهذه الإصلاحات، ووجدت لي ناشرين في ما يزيد على دزينة من البلاد.
ما هو الشيء الذي أدخل السرور على نفسك أكثر من أي عامل آخر سواه؟
لم يكن هناك ناشر واحد في باكستان على استعداد لطبع الرواية، لأنها أكثر اتساماً بالطابع الخلافي من أن تسمح بذلك، حسب تعبيرهم الذي أجمعوا على استخدامه في ردودهم. وهكذا تعين استيراد الطبعة الهندية إلى باكستان، حيث لم أجد إلا عروضاً للكتاب مفعمة بالمشاعر وباعة كتب سعداء، بل أنني رأيت نسخاً مقرصنة من الكتاب، الأمر الذي يعتبر بمثابة المجاملة القصوى في باكستان.
ما الذي ستفعله بصورة مختلفة أو على نحو أفضل في المرة المقبلة؟
في مرحلة الاستعداد لإصدار عملي المقبل سأقوم بإتباع نظام أفضل للعناية بالبشرة والتفكير في دوافعي، لأنني في المرة الأولى لم أكن أعرف أنهم يلتقطون لك صوراً ويتوقعون منك أن تقول أشياء متماسكة فيما يتعلق بحياتك وكتابك، وقال أحد أصدقائي والذي أحب الكتاب إنه يفتقر إلى رسالة فيما يتعلق بمعنى الحياة. وحدثت نفسي بأنني ظننت أنني أوصل رسالة من هذا النوع في كل صفحة من صفحات الكتاب.
من الذين تعتبرهم بمثابة قدوة أدبية لك؟
إنني من الذين يتأثرون كثيراً فيما يتعلق بالجانب الأدبي، بل إنني الآن عندما أقرأ فقرة جيدة فإن ركبتي تشرعان في الارتجاف. وخلال الأسابيع الستة الماضية تباينت القدوة الأدبية بالنسبة إلى من مارتن أميس إلى جونو دياز إلى جوزيف سميث (اقرأ روايته «الذئب» وعندئذ ستعرف ما الذي أعنيه) وهناك كاتب بالأوردو هو أسد محمد خان. ولكن الكاتب المفضل لديَّ على الدوام هو ترومان كابوت، على الرغم من أنني لا أستطيع أن أجعل نفسي على غراره، أو اتخذ منه قدوة أو نموذجاً أو مثالاً لي.
منى مدكور
