الكثير من القراء لا يتحمسون عادة لقراءة الرواية الأولى لكاتب يطرق أبواب النشر العالمي للمرة الأولى، والمبرر الذي يستندون إليه في تبنيهم لهذا الموقف هو أن الرواية الأولى تشكل غالباً نوعاً من المخاطرة، سواء في نشرها أو قراءتها.

لكن رواية «ثمار المانجو المتفجرة» للباكستاني محمد حنيف هي مخاطرة تستحق ـ بامتياز ـ عناء خوضها، فنحن هنا بإزاء عمل مدهش، ينتمي إلى تقليد يستند بقوة إلى الواقعية السحرية، لكنه يردد في الوقت نفسه أصداء كوابيس عالم فرانز كافكا الوحشي ويستعيد سخرية فيليب روث السوداء.

تقوم هذه الرواية على أساس حقيقة تاريخية هي مصرع الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق في عام 1988 في انفجار طائرة كانت تقله مع مجموعة من مساعديه والسفير الأميركي لدى بلاده.

وعلى الرغم من أن العديد من النظريات قد طرحت على امتداد العشرين عاماً الماضية لتفسير هذه الواقعة الغامضة، إلا أنه حتى الآن لم يتم إلقاء القبض على أحد، أو توجيه الاتهام إليه بالمسؤولية عن هذه الجريمة، أو طرح تفسير يعكس حداً أدنى من التماسك لهذه الواقعة الغامضة. وحتى اليوم، فإن الأمر يتوقف على وجهة نظرك السياسية في تحديد ما إذا كان الفاعل ينتمي إلى السي.آي.إيه، الكي.جي.بي، الموساد، بنازير بوتو، أو الأفغان.

ورواية «ثمار المانجو المتفجرة» تطرح نظريتها الخاصة فيما يتعلق بهذا الانفجار الغامض، وهي نظرية تشير إلى جنرالات فائقي الطموح وعناصر تنتمي إلى السي.آي.إيه. فضلاً عن غراب جوال والعديد من ثمار المانجو المثيرة للشبهات وطلاب حانقين في أكاديمية الطيران.

وإذا بدأ لك أن هذا المزيج العجيب يعود بك إلى آفاق الواقعية السحرية، فإن الصواب لا يجافيك بالتأكيد، فهناك تأثير قد يبدو محدوداً ولكنه دائب في هذا العمل يعود إلى جابرييل جارسيا ماركيز وجوزيف هيللر.

نحن في مستهل الرواية مع اعتراف من نوع ما من جانب ضابط شاب. متدرب في سلاح الجو الباكستاني يدعى على شيجري، والذي يزعم أنه كان متورطاً في مصرع ضياء الحق، حيث لا يتردد في القول: «لقد كنت الوحيد الذي استقل تلك الطائرة وقدرت له النجاة».

ولا تتضح طبيعة تورط على شيجري في الواقعة في هذه المرحلة المبكرة، ولكن دافعه فيما نحن نوغل في الزمن عائدين إلى الماضي سرعان ما يتضح لنا، ويتمثل في الانتحار المفترض لأبيه الذي كان ضابطاً في الجيش الباكستاني يلفه الغموض وكذلك المعاملة الوحشية التي لقيها شيجري نفسه عقب اختفاء صديقه وزميله في سلاح الطيران، عبيد.

ومع بدء الرواية لعدها التنازلي وصولاً إلى مصرع ضياء الحق، فإن قصة التعذيب الذي يتعرض له شيجري تتجلى بالتبادل مع أحداث تقع في إطار الحلقة الداخلية المحيطة بالرئيس الباكستاني نفسه، الذي يبدو لنا وقد أفعمت نفسه بالهواجس حول موته الوشيك، فيضاعف صفوف الحراس حوله ويطرق أبواب الغيب بحثاً عن رد عن سؤاله الوحشي المتكرر عن موعد مصرعه، وفي غضون ذلك يتنافس مساعدوه من أجل المزيد من النفوذ وينغمسون في التآمر بلا هوادة أحدهم ضد الآخر.

وعلى الرغم من المجال الذي يخصصه محمد حنيف لرؤيته الخاصة للمؤامرة، إلا أنه يتضح على امتداد مسار الرواية أن البرهنة على نظريته هذا الصدد لا تشكل أولوية بالنسبة له. وبدلاً من ذلك فإنه يبدو أكثر اهتماماً بتحقيق انطلاقات ساخرة نحو عدد من الأهداف الأكبر والأكثر وضوحاً، وفي مقدمتها البنية السياسية لباكستان ومؤسساتها العسكرية والتدخل الأميركي في المنطقة.

وقد ثارت ضجة كبرى حول الرواية حتى في المرحلة التي سبقت إصدارها مباشرة، ففي نهاية المطاف من المعروف أن محمد حنيف هو خريج برنامج الكتابة الشهير في جامعة إيست انجليا وموضوع روايته يردد أصداء حديثه.

ومن المحزن أن القراءة الدقيقة لهذا العمل الواعد تعطي انطباعاً للقارئ بأنه لم يأخذ شكله النهائي الكامل بعد، وبأن القارئ أمام مسودة مبكرة للعمل، كان ينبغي أن تؤخذ بعيداً للعكوف على عملية إعادة كتابة مكثفة لها، وليس من قبيل الصدفة أن هذا هو الرأي الذي أجمع عليه العديد من الناشرين لدى عرض الكتاب عليهم للنشر.

مثل هذه القراءة الدقيقة لابد أن تترك القارئ رهن الانطباع بأن الحبكة لم تحدد بشكل قاطع بما فيه الكفاية، وأن رسم الشخصيات ليس بالثراء الذي يتوقعه المرء من كاتب جمع بين الانتماء إلى شبه القارة بكل ما في هذا الانتماء من ثراء في الخيال وخصوبة في المناهل وعمق في الموارد وبين دراسة الكتابة الإبداعية في مركز ايست أنجليا الشهير.

الأمر لا يتوقف عند هذا، فبنية الرواية ليست من القوة والتماسك والاحكام بحيث يتوقع المرء.

الأمر الأكثر خطورة من هذا كله أن السخرية، التي قد يعتقد المرء أنها أكثر عناصر القوة، ليست من الحدة بحيث تحمل على جناحها القاري أو الكتاب نفسه.

حتى الواقعية السحرية التي يتم إدخال لمساتها عند نقاط مختلفة في النص تعطي القارئ الانطباع بأن المؤلف أدخلها بمزيد من التردد.

وتتكامل دائرة عيوب الرواية عندما ندرك إلى أي مدى تفتقر محاولات التحليل السياسي إلى الحد الأدنى الضروري من العمق، بل يبدو أن بعضاً من هذه المحاولات لا يفتقر إلى السطحية، بل ويصل إلى حد السذاجة.

من المؤكد أن هذه الدائرة المتكاملة من العيوب توحي للقارئ، على الفور تقريباً، بأن محمد حنيف كان ينبغي عليه أن يعطي روايته الأولى المزيد من الوقت لاكتساب المزيد من النضج، وللتخلص من عيوبها التي تبدو واضحة من النظرة الأولى.

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يحول بيننا وبين إدراك أننا أمام عمل على جانب كبير من الأهمية، عمل من الطراز الأول، يظل ـ على الرغم من عيوبه كلها ـ قادراً على اجتذاب اهتمامنا، فنحن أمام نسيج بالغ الثراء، أمام ساحة تضج بالأميركيين في باكستان والسوفييت في أفغانستان وبالدولارات في أيدي الجميع. وشخصية على شجيري وصديقه عبيد والحشد الهائل من الشخصيات الأخرى تظل قادرة على لفت أنظارنا ودفعنا إلى طرح المزيد والمزيد من الأسئلة وعلامات الاستفهام.

وربما يمكن قراءة هذه الرواية على أحد أصعدتها باعتبارها مقاطع من الكوميديا السوداء، لكن الرواية، أي رواية، لا يمكن أن تكون كذلك فحسب.

وعلى الرغم من أن لو كاريه قد أشاد بهذه الرواية كثيراً، ولم يتردد في أن يقول عنها إنها: «رواية ذكية، متألقة وفوضوية بشكل جميل.

وحنيف يتمتع بعينين جميلتين وبأذنين أفضل» فإن الرواية أقل قرباً من عالمه الروائي من قربها من الأعمال التي تنشرها مطبوعة «برايفت آي».

والتوتر في الرواية لا يتصاعد إلا في الفصول الأخيرة، وحتى عندئذ فإن يتم تفكيكه قبل الأوان.

والرواية تركز بأكثر مما ينبغي على فضح غباء ووحشية ونفاق العسكر في أفغانستان، من دون أن يتوقف المؤلف ليسأل نفسه عما إذا كان ذلك لايزال يثير الشعور بالصدمة حقاً.

إن النكات تبدأ مبكرة في هذه الرواية المدهشة، وهي لا تفتأ تتوالى مسرعة، وهي في بعض الأحيان توحي بأنها أكثر ولعاً مما ينبغي بسخريتها الأحادية، وربما هذا ينبع من أن السخرية هي في نهاية المطاف قالب يطالب بأن يؤخذ بجدية، ولكن السؤال هو: إلى أي حد أخذت السخرية في هذه الرواية مأخذ الجد؟

من المؤكد أن القارئ في مواجهة هذه الرواية يظل أمام عمل تكاملت له العناصر التي ترشحه لأن يغدو عملاً أول من نوعية فائقة، فهناك السخرية السوداء ذات التأثير العميق، والموضوع الحافل بالألغاز الذي يستقطب الاهتمام، وعناصر الواقعية السحرية التي تضفي قدرتها على استقطاب اهتمامه وتبديد أي شعور بالملل قد يساور في غمار متابعته لتوالي الأحداث، وحبكة كان يمكن أن يقدر لها المزيد من الإحكام.

الكتاب: ثمار المانجو المتفجرة

تأليف: محمد حنيف

الناشر: نوف نيويورك 2008

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

gnidolpxE fo esaC A Mangoes

Mohammed Hanif

8002 ,Y.N ,fponK

336 P.