يستعرض الدكتور عبد المقصود سلطان في كتابه «من هو الإنسان ذلك المجهول» دراسة علمية فسيولوجية فلسفية ثقافية نشأة الإنسان من شقين: شق مادي متمثل في أعضاء وأجزاء جسم الإنسان ووظائف كل منها وكيفية عملها، وشق روحي يتمثل في الروح والنفس والعقل والشخصية والإرادة.
ويرى سلطان أن الكون كله متماسك ومترابط بأفلاكه ومجراته، وتدور كلها حول مركز الكون ودوائر الأفلاك محددة ومقدرة بدقة كاملة بالقدرة الإلهية، وهذا الترابط الكلي للكون يمكن أن يكون من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون إله واحد خلق وخطط ودبر كل هذه المخلوقات ويعلم كل حركة مهما صغرت وأين تحدث وما نتائجها «ما ترى في الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور(3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير» (الملك 3،4).ووقف سلطان عند طبيعة الإنسان المتناقضة والتي فيها جانبا الخير والشر، إلا أن الله وضع له العقل ليفرق بين الخير والشر وأعطاه الإرادة التي يمكن أن يستخدمها في الضغط على الرغبات الشريرة في نفسه، وإفساح المجال للرغبات الخيرة، وهي الجانب الروحي للإنسان والمتمثل في (روحه الخالدة المفطورة التي تسمو على المادة، إذ يوجد في هذا الجانب القيم الخلقية والدينية والاجتماعية ونجد الصفاء والنقاء والسمو).
ويعتبر سلطان أن خلق الإنسان تم على ثلاثة أوجه، الوجه الأول هو الصلصال الترابي المتمثل في خلق آدم ومنه أو معه مباشرة حواء، الوجه الثاني هو الخلق التوالدي من أب وأم وهو الذي يؤدي إلى التكاثر والانتشار ممثلا باقي أفراد الإنسانية بعد آدم وحواء، أما الوجه الثالث فهو الخلق الجديد المسمى بـ «البعث» أو «النشور» وهو يحدث بعد الموت الدنيوي، ويكون الخلق هنا هو «الإعادة» أي إعادة الخلق فنفس الأشخاص سيعودون في خلق جديد ونهائي، وهو الذي قد تتحدد فيه المصير النهائي للإنسان في الدار الآخرة.
ويؤكد المؤلف على أنه في بدايات التكوين الخلقي للإنسان الذي يبدأ من خلية حية واحدة هي «النطفة» يثبت الله عز وجل في هذا التكوين بعد أن يأخذ مساره في النمو حتى يصبح علقة ثم مضغة وبعد اربعة أشهر من البداية الخلوية تقريبا «الروح».
ويكون ذلك إيذانا بخلق إنسان جديد في هذا الوجود، حينئذ يزداد النمو البدني للجنين وتستكمل أجزاؤه حتى يصبح إنسانا مكتمل الهيئة الإنسانية وذلك في مدى تسعة أشهر تقريبا من وجود النطفة في بطن الام.وفي هذا السياق يرى سلطان أنه بعد أن حلت الروح بالبدن.
وبدأت أجهزته الجسمية تنمو: السمع والأبصار والأفئدة التي تشمل باقي الحواس ومنها الجوانب الروحية متمثلة في العقل، النفس، الضمير، وما يتفرع منهم كالحب والبغض والسعادة والحزن.كما أشار الباحث إلى القوة الثانية الموجودة داخل الجسد والتي تعمل وتتجه إلى تلبية رغبات الجسم من طعام وشراب باتحادها مع النفس، فتقوم بتوجيه الجسم وتدبير الوسائل، للحصول عليها وكلما نما الجسم تزداد مطالبه فتقوم هذه القوة اللامادية بالعمل على تلبية هذه الرغبات والمتطلبات حتى وإن كان فيها نوع من الضرر.
وهذه القوة هي النفس،وتبدو من وظيفتها هذه أنها مرتبطة بالجسد لأنها تلبي مطالبه ورغباته وشهواته ومرتبطة من جانب آخر بالروح لانها غير مرئية مثلها.
وينقلنا سلطان إلى قوة أخرى تنمو في الإنسان مع دخول الروح، وهي قوة غير ملموسة لا مادية تتجه إلى تدبير أمور الفرد، وتنظيم حياته وحل المشكلات التي تعترضه وذلك عن طريق الفكر والتعقل،وهي «العقل»، ويبدو من وظائفه أنه هو القوة المفكرة في الإنسان، وهو الذي يؤدي به إلى مراحل التقدم والحضارة والتعمير...
وكذلك التفكر في خلق الله ومعرفة كيفية عبادته وحده، وهذه القوة «العقل» مرتبطة بالروح أكثر من ارتباطها بالجسد أو النفس، وإن كانت في بعض الأحيان يمتد عملها لتدبير بعض الأمور التي تتطلبها النفس وبالتالي تلبية مطالب الجسد ورغباته.
الكتاب:من هو الإنسان ذلك المجهول
تأليف: د. عبد المحسن عبد المقصود سلطان
الناشر: دار الكتاب العربيحلب 2008
الصفحات : 445صفحة
القطع: الكبير
ناهد رضوان

