يريد جاد الجباعي من كتابه « وردة في صليب الحاضر » توجيه نقد للإيديولوجيا القومية العربية، والحركة القومية العربية، في ضوء النتائج المتحققة، في غير مكان من عالم العرب، لا في ضوء الأهداف وإعلانات النوايا، إنما بهدف إعادة التفكير في المفاهيم والمقولات والأفكار والتصورات التي تجدرت في الوعي الاجتماعي العربي بوجه عام.
وفي الوعي السياسي بوجه خاص، في النصف الثاني من القرن العشرين، جراء هيمنة قوميين وإسلاميين على السلطة وعلى اللغة وعلى مؤسسات التربية والتعليم والثقافة، وإنتاج أوهامهم في الوعي الاجتماعي، الذي لا تزال تفتنه الغيبيات والأساطير والخرافات والأوهام وتستحوذ عليه.
ونقطة الانطلاق الرئيسة للمؤلف في معالجته ليست الواقع أو الواقع العربي، بالمعنى الشائع، بل واقع الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية في هذا المجتمع أو ذاك، الواقع الذي هو من إنتاجهم بقدر ما هم من إنتاجه، والذي تحمل جميع ظاهراته خصائصهم ويحملون خصائصه، ولا سيما حركة الواقع الجدلية، وتحول ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل، بتوسط العمل البشري والإنتاج الاجتماعي المادي والروحي.
إضافة إلى أن نقطة الانطلاق هذه ليست الحاضر بمعناه المباشر الذي يصير معه كل آن من آناته ماضياً، بل بوصفه لحظة التوسط الجدلي بين الماضي والمستقبل، أي بوصفه الكينونة التي تحمل نفيها في داخلها، وليس نفيها شيئاً آخر غير مستقبلها. الماضي لا يجري في ثنايا الحاضر وعروقه فحسب، بل ينتفي فيه. والمستقبل ليس وعود الحاضر، بل ممكناته التي يجعلها العمل البشري واقعاً جديداً.
ويبدو أن تكون نقطة الانطلاق الرئيسة هي الإنسان المتعين، الفرد الطبيعي، والكائن العاقل والأخلاقي، الاجتماعي والسياسي، الذي ماهيته هي الحرية. أي تتجسد نقطة الانطلاق الرئيسة في الحرية، بخلاف جميع أيديولوجيات التحرر القومي والتحرر الاجتماعي وما إليها.
ويعتبر الحرية أهم من الأمة العربية، وأهم من الوحدة العربية، وأهم من الدولة القومية العربية، وأهم من الاشتراكية وغيرها؛ لأنه ليس لهذه جميعاً ولغيرها أيضاً أي قيمة من دون الحرية ومن دون الكرامة الإنسانية.
ويعلل كون الحرية أهم من الدولة القومية العربية، التي تخرج الدولة القومية، إلى كون الدولة الوطنية، التي تستحق صفة تجسيد للعقل والحرية، بل هي ملكوت الحرية الموضوعية. وعليه يحاول المؤلف إعادة بناء مفهوم الأمة بدلالة الحرية وجدلها الداخلي أولاً، وبدلالة الحاضر، أي بدلالة الكينونة التي تحمل نفيها في داخلها ثانياً، أي بدلالة الوجود العلي، المتعين في المكان والزمان، وجود العرب في دولهم القائمة بالفعل إلى جانب مواطنيهم من غير العرب.
وبدلالة الإنسان مموضعاً، أي بدلالة المجتمع المدني والدولة السياسية بالتلازم الضروري ثالثاً، وبدلالة الديمقراطية مبدأ وغاية في المحصلة.
وهذه جميعاً، ولا سيما فكرة الحاضر أو الكينونة، تملي ضرورة تحديد مفهوم الأمة بدلالة الدولة القائمة بالفعل، هنا والآن، لا بدلالة دولة منشودة. لأن الحديث عن دولة منشودة هو حديث عن أمة منشودة ومنتظرة، من وجهة نظر البحث. وذلك استناداً إلى مفهوم الأمة الحديثة، ومفهوم الدولة الأمة الحديثة وإلى مفهوم سيادة الشعب، وسيادة القانون.
ويؤكد الجباعي على الفرق الجوهري بين العروبة، بوصفها فضاء ثقافياً وحضارياً وروحياً مشتركاً بين جميع العرب، وجميع الذين يتكلمون العربية ويتصلون بالثقافة العربية من غير العرب أيضاً، وبين «الأمة العربية الواحدة» و«القومية العربية» بوصفهما مقولتين أيديولوجيتين، ونواتين من النوى الصلبة للمذهب القومي العربي أو للأيديولوجية القومية العربية.
وينتهي إلى نتيجة تقول إن العروبة ليست تحديداً سياسياً، فلا تحتم أن يكون العرب أمة واحدة ودولة واحدة، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية الوحدة وضرورتها، ولكنه لا يسميها وحدة عربية، ولا يسمي الدولة التي يمكن أن تنتج من وحدة دولتين أو أكثر من دولة عربية، انطلاقاً من افتراض جعله البحث في منزلة الحقيقة يقول: إن الأمة والدولة الأمة لا يجوز أن توصفها بأي صفة غير مشتركة بين جميع أعضائها بلا استثناء.
والواقع أن تسييس العروبة، كتسييس الفكر والثقافة، يفرق ولا يوحد، وليس هناك بلد حكمه وتحكم بمقدراته قوميون أو إسلاميون أو ماركسيون لينينون إلا وتهتك نسيجه الوطني، وتزعزع بنيانه، وانهار نظامه الأخلاقي، وتعمقت انقساماته العمودية، تحت ستار وحدة وطنية وهمية قوامها القمع المعمم، والاستثناء يؤكد القاعدة.
وهذا مما يوجب التفكير في ما كان يسمى الأخلاق الثورية وفي ما نعاين اليوم من الأخلاق الميليشياوية، الجهادية، فضلاً عن الأخلاق التوليتارية.
الكتاب: وردة في صليب الحاضر
تأليف: جاد عبدالكريم الجباعي
الناشر: رابطة العقلانيين العرب ودار الفرات وبترا، بيروت دمشق 2008
الصفحات : 336 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش
