نهاية الأراضي - للمخرج الفرنسي «فيليب جانتي» و«ماري أندروود» يكشف عن إمكانية استعمال العقل في مهماتٍ جمالية لطرد البشاعة التي في الغرائز، فيلتذ العقل - عقل جانتي وأندروود - بأنَّه صار يشارك في مسرحه أصواتٌ من الماضي والحاضر والمستقبل،فيشتبك السياسي مع الأخلاقي، والتاريخي مع الثقافي في رحلة بحثٍ كما يقول جانتي «حلمية» يكون فيها (المسرح مكان اللاوعي)، فينبثق الممثلون والراقصون ومحركو الدمى من الظلِّ أو يغرقون في اللجَّة.
إنَّها صورٌ مؤثِّرة فرضت جانتي شاعراً على خشبة المسرح. فيحكيان بالحركة والرقص التعبيري حكاية لقاء امرأةٍ منعزلة في فقاعتها، ورجلٍ يحاول التواصل معها وكسر هذه العزلة.يقول فيليب جانتي الذي استخدم لغة «حركية» فضحت، أخرجتِ النزاعاتَ الداخلية في النفس الإنسانية إلى فضاء المسرح؛ إنَّه يحاول أن يُدخل المتفرِّج في رحلةٍ، في عالمٍ مفتوحٍ على تساؤلاتٍ وشكوك، ويرفض أن يحكي له حكاية.المسرحية إذا هي مشاهدً لأفكارٍ/ لأحلامٍ تولد وتختفي على المسرح، وهو بذلك مع ماري أندروود زوجته الراقصة ومصمِّمة الرقص وأستاذة الباليه، يضعانا أمام نمطين للرؤيا؛ رؤية صورة متخيَّلة هي التي شفناها على المسرح، ورؤية صورة ما بعد الرؤيا، وهما ينزعان عن الحلم قشور الصدأ التي علقت به فتثير وعينا.
هي رقصة طويلةٌ طويلة، قصيرةٌ قصيرة، لغتها الحركة وما تحمله من إشارات، فلا تهرب من أسر الأفكار التي ينشرها الرقص والضوء واللون. فالممثِّلون: أماندا بارتر، مارجوري كونتي، سيباستيان لنتيريك، بيريك مالترانش، رولان لور، نانسي روسيك، سيمون ران. لم يؤدوا نشاطاً جسدياً، بل نشاطاً فكرياً أقام حواراً معنا كمتفرِّجين وبكثيرٍ من الهدوء.
وهم يقطعون الطريق ذهاباً وإياباً، وهم يرمون الأوراق، يلبسون ثياب العرس، يحرِّكون الدمية الجرادة، يظهرون، يختفون... إلخ. ومعهم مصمما الإضاءة فيليب جانتي وإيمانويل لابورد، والفنانون التشكيليون سيباستيان بويه، كارول ألمان، رومان دوفيرن، لوران هويه، وسيسيل مونييه.
فوضعونا جميعاً أمام(عقل) خلاَّق- أمام عرضٍ مسرحيٍ مثلما كان الجسد- جسد الممثلين يحرِّك أفكارنا، كانت الألوان تنشِّط حواسنا البصرية- وما تحت وما فوق البصرية، وتثير مواقفنا ومشاعرنا. فاللون هنا وإن كان من ضوء، لكنَّه في المسرحية لون النفس ولون الأفكار، لدرجة إنَّنا صرنا نحسُّ بكثافته، وبدرجة حرارة الهواء الذي على خشبة المسرح؛ لونٌ، ضوءٌ يرقص، يترجمُ بكثيرٍ من التناغمات حرارة ورطوبة أحاسيسنا.
نهاية الأراضي مسرحية قدَّمتها احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008 بالشراكة مع المركز الثقافي الفرنسي بدمشق، وكان سبق لمخرجها أن قدَّم على مسرح الحمراء في آذار 1977 مسرحية «مسافر بلا حراك». وفيليب جانتي مخرجٌ فرنسي درس الفنون التشكيلية ونال جائزة الإبداع(1961).
وقام بجولة حول العالم بسيارة لها محرِّك بحصانين، وقدَّم في قارات الأرض الخمس أوائل عروضه، وهي عروض مسرح دمى متحرِّكة التي أخرج أيضاً فيلماً سينمائياً عنها، وكان قد أسَّس فرقته «فيليب جانتي» في العام 1968.
وبعد نجاح مسرحياته «دائري مثل مكعب» 1980، و«موكب الرغبات» 1986، و«انحرافات» 1989، و«لا تنسني» 1992، و«مسافر بلا حراك» 1996، و«ديدال» 1997. التي قُدِّمت جميعاً في مسرح (تياترو دولافيل) حازت فرقته شهرة دولية، وقدَّمت عروضها بعد ذلك على أكبر مسارح العالم؛ برودواي، لندن، طوكيو. وهو حالياً يقوم بتدريبات على عرض جديد «بوليلوك».
مسرحية «نهاية الأراضي» ليست نهاية لجريمة، بل هي بدايةُ عمل اللونِ الضوءِ فيُفرجينا كيف تنفذ السكين التي من معدنٍ في الرأس - في الجملة العصبية التي من إحساس، فنرى لمعان الأفكار وحدَّها الذي هو أحدُّ من حد السكين.
نشاط فكري
هي رقصة طويلةٌ طويلة، قصيرةٌ قصيرة، لغتها الحركة وما تحمله من إشارات، فلا تهرب من أسر الأفكار التي ينشرها الرقص والضوء واللون. فالممثِّلون: أماندا بارتر، مارجوري كونتي، سيباستيان لنتيريك، بيريك مالترانش، رولان لور، نانسي روسيك، سيمون ران. لم يؤدوا نشاطاً جسدياً، بل نشاطاً فكريا.
أنور محمد

