تعتبر المطربة الراحلة فايزة أحمد واحدة من أبرز الأصوات الغنائية التي سطعت في سماء الأغنية العربية الذي دشن ما كان يطلق عليه «بالعصر الجميل» في منتصف الستينات من القرن الماضي، حيث كان يشكل أحد أقانيمه الفارقة عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب وغيرهم من الأصوات الجميلة التي وسمت تلك المرحلة بميسمها الفني الجميل.

ولهذا فإن الناس لا تنسى أغاني فايزة أحمد المعروفة «أنا قلبي إليك ميال» و«ست الحبايب» وسواها من الأغاني التي باتت تشكل النسيج الوجداني والفني للسواد الأعظم من عشاق الأغنية العربية على مر الأجيال وباتت هذه الأعمال الفنية عابرة للأذواق على مدى العصور والأجيال المتعاقبة .

كانت الفنانة الراحلة فايزة أحمد تتقن العزف على العود ، وأول من علّم فايزة العزف على العود موسيقي من بيت «زنتوت». نجحت في النوادي والكازينوهات في حلب أدخلها الكار رجل من بيت «أمّانة»، وبعد ذلك تعرفت على الملحن السوري محمد محسن، الذي قدّمها إلى الإذاعة السورية ونجحت فيها أيضاً، سافرت إلى الإسكندرية، حيث أحيت حفلة بمناسبة تأسيس الجامعة العربية، ومن هنا انطلقت بأغنية «أنا قلبي إليك ميال» عام 1957، وكانت قبل ذلك قد غنّت في مسرح «الهمبرا» في الإسكندرية عام 1956، في حفلة أضواء المدينة.

يا وابور قلّي رايح على فنين

غنت فايزة أحمد لأول مرّة في حمام السوق الذي يملكه والدها، فقد شاهدت فيلماً لعبدالوهاب يغني فيه «يا وابور قلّي رايح على فين» وحفظت الأغنية وأحبتها كثيراً، وبينما هي تغتسل في الحمام، راحت تغنيها، والصابون على وجهها، فأعجبت النساء بصوتها، حتى إن إحداهن قالت لأمها «بنتك فايزة صوتها بيجنن» وطلبت منها أن تكمل، ولم تكن قد بلغت العاشرة من العمر.

تزوّجت فايزة من عمر نعامي وتعرفت إليه على باب الإذاعة اللبنانية، حين جاءت تطلب منه مساعدتها على القبول كمغنية في الإذاعة، وتم قبولها ككورس على أن تحسن أداءها، وتطورت العلاقة بين الطرفين لتنتهي بالزواج، وقد دفعها زوجها لتعمل في الملاهي، فعملت ونالت النجاح الكبير.

وأنجبت منه «فريال» زوجة أحمد السنباطي وتزوجت بـ «عبد الفتاح خيري»، عازف الكمان في الفرقة الماسية فجأة وبعد لقائها به بأسبوع، لكن هذا الزواج لم يدم فتركته لتتزوج من مختار العابد الضابط في الجيش السوري، والذي ترك الجيش ليتفرغ لأعمالها الفنية، لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً أيضاً.

وتزوّجت فايزة من الملحن الذي كان هاوياً «محمد سلطان» في يوليو 1964، وكوّنت معه ثنائياً رائعاً، هي تغني وهو يلحن لها، فغنت «رشوا الفل مع الياسمين» وانطلقا معاً. واستمر زواجها ما يقارب السبعة عشر عاماً طلقت فيه ثلاث مرات، وعادت إليه قبل وفاتها بقليل.

أما عن سبب سفرها إلى القاهرة، فقد هددت والدتها بالانتحار من النافذة إن لم ينه العقد «عفيف كريدية» بينه وبين فايزة، وهكذا تمّ الأمر وأنهي العقد وسافرت إلى القاهرة لتلتقي «محمد عبدالوهاب» لكنها أصيبت بخيبة أمل، فالأستاذ إما نائم أو في الحمام، أو غير موجود، وعادت إلى بيروت. وفعلاً بعد لقائها المشهود بعبدالوهاب في دمشق تمّ لها بعد ذلك ما تريد حيث زارته في بيته في القاهرة، وحلقت بعد ذلك في سماء الأغنية. ساعدها على ذلك أيضا زوجها عبد الفتاح خيري، عازف الكمان المصري، فقد قدّمها إلى الأوساط الفنية وبخاصة الملحنين في الإذاعة.

ست الحبايب

تركت فايزة أحمد 230 أغنية، وقد لحن لها كبار الملحنين في مصر، من أمثال: محمد الموجي وبليغ حمدي وعبد العظيم محمد ورياض السنباطي وعبد المنعم الحريري وزكريا أحمد وكمال الطويل وفريد الأطرش ومحمد عبدالوهاب، الذي قال عنها: «صوتها من أفضل الأصوات المصرية، عندما تغني فايزة تستطيع أن تسلطن».

أما صاحب أكثر رصيد من الألحان فقد كان محمد سلطان، الذي لحّن لها 140 لحناً، أغلبها من الألحان الشعبية، وقد حصلت فايزة أحمد من شرطة (EMI) على الأسطوانة الذهبية في لندن، بمناسبة بيع مليون نسخة من اسطوانة فيها أغنيتان: «حبيبي يا متغرب» للملحن «بليغ حمدي» وأغنية «مش كتير على قلبين» تلحين «سيد مكاوي».

في أواخر عام 1982، زارت فايزة أحمد لبنان كي تستلم الشقتين اللتين تملكهما في عمارة يعقوبيان في بيروت، وأثناء ذلك عرضت نفسها على طبيب مختصّ، ويبدو أن الطبيب عرف منذ الفحوصات الأولى حالة مريضته (كيس ورم تحت الثدي)، فعالجها بالأدوية، لأن المرض كان متقدماً لا تنفع معه جراحة، وأدخلت فايزة إلى مستشفى «الصفا» في القاهرة.

وهناك قررت أن تزيل الكيس أثناء وجودها في المستشفى، ووافق الأطباء بناء على فحوصات بيروت، لكنهم أغلقوا الجرح على عجل، ثم طلبوا منها أن تتوجّه إلى أميركا لإجراء عملية سريعة، وذهبت لكنها عادت وهي تحمل الحقن.

كانت تقول: إن الأطباء هناك، أعطوها الحقن، وأنها ستشفى إن هي أخذتها، ولم تكن تخبر أحداً أن هذه الحقن عبارة عن مسكن.

في أستوديو 45 كانت فايزة أحمد تضع رأسها في حجر إحدى المرددات في الكورس، وتمد جسدها النحيل المنهك على ثلاثة مقاعد، وتستنجد بالطبيب كي يعطيها حقنة تسكن آلامها، كي تتمكن من تسجيل أغنية «لا يا روح قلبي».

رزقت فايزة أحمد بولدين من محمد سلطان عمرو وطارق، يعمل الأول طبيباً رئيس في قسم الأمراض العصبية في جامعة «بوردو» في الولايات المتحدة، والثاني يعمل طبيباً في روسيا. ولها بنت «فريال» متزوجة من الملحن أحمد السنباطي، و«مها» من «مختار العايد» و«أكرم وأماني»، ومع ظهور أغنية «صافيني مرة» ماتت ابنتها «أمل» فتحول الفرح إلى حزن، حتى إنها قالت يومها: «لم أحسّ بحلاوة النجاح والشهرة في بعدها».

قال عنها «محمد سلطان»: «لم أعرف فناناً يحب فنه ويغار عليه مثلما كانت فايزة تحبه وتخلص له، لقد كان القلق ينتابها عندما تكون على أبواب حفلة تحييها، لا تنام، لا تأكل، لا تشرب، وتظل في حالة الاستعداد الدائم حتى تنتهي الحفلة... وكانت عبارة «الله يا فايزة، تسعدها كثيراً».

أعتقد أنه بهذه العبارة كان علينا أن ننهي حياة فايزة أحمد ونبدأ معها قصة الفنان الإنسان. لن نتكلم عن الذين كانوا يثيرون المشكلات معها، إننا نتكلم فقط عن الذين شاركوها أحزانها وأفراحها ومجدها وانتصارها..

فايزة أحمد في سطور

فايزة أحمد، فنانة من لبنان، ولدت في صيدا عام 1934، مار نقولا، وعاشت في رعاية «آل الرواس» العائلة الصيداوية الشهيرة، في حارة الجامع العمري وظهر المير في صيدا القديمة ، والدها أحمد الرواس الذي كان يملك حماماً «حمام السبع بنيات» غنت فيه فايزة مرات عديدة. والدتها لبنانية «فكرية ياسرجي» تزوّجت من سوري «أحمد بيكو»، وانتقلت مع والدتها إلى حلب، وكان عمرها يومئذ ثلاث عشرة سنة.

فيصل خرتش