من المعروف أن فن الحفر أو الجرافيك المرتبط بالطباعة غير شائع كثيرا في عالمنا العربي، وهو فن فاق عالميا كل معطيات الفنون الأخرى في مجال الإبداع والابتكار التكنيكي. وأتاح هذا الفن طباعة عدة نسخ من لوحة الفنان المحفورة ليضع عليها إمضاءه، وهكذا تمكن الناس من الحصول على نسخ أصلية بسعر ميسور.

من وجوه الفنانين العرب المبدعين في فن الحفر والقلائل، الفنان محمد الوهيبي الذي يغرد خارج السرب الإعلامي ليدع أعماله تتحدث عنه.«مسارات» التقته ليكشف لها عن خبايا هذا الفن التشكيلي الأكثر صعوبة على مستوى التقنية وغير المألوف كثيرا في العالم العربي، على الرغم من أنه الأكثر رواجا وتوفرا بالنسبة لمحبي اقتناء اللوحات في الغرب، إلى جانب مساهمته في الترويج للأعمال الفنية.انطلاقاً من تبرعم موهبته الفنية ورحلته في عالم هذا الفن قال محمد الوهيبي «كانت بدايتي الفنية مع قراءتي لكتب تاريخ الفن والاطلاع من خلالها على تجارب الفنانين. وكثيرا ما استوقفتني لوحات لرامبرانت وغويا التي كتب أنها نفذت بحفر الماء القوي. كانت دهشتي كبيرة، كدهشة الفقير من رؤية قطعة نقدية في الطريق. ودفعني تساؤلي عن ماهية الماء القوي إلى بحث أعمق واكتشاف مجموعة من المواد الكيماوية كالآزوت والكبريت وتفاعلاتها مع المعادن».

ومن دائرة الاهتمام بهذا الفن انتقل إلى مرحلة الدراسة الأكاديمية التي وصفها بقوله، «خلال دراستي في كلية الفنون الجميلة، اخترت فن الحفر لاكتشاف أبعاد هذا الفن على أرض الواقع، والذي يعتمد على الحفر بالمنقاش المعدني الذي يشبه الإبرة. وهكذا اكتشفت عوالم تقنيات معالجة اللوحة والأفكار عن طريق الحفر والليثوغراف (الطباعة) أو حجر ميونيخ بالإضافة تقنيات كيماوية وفيزيائية لإظهار طاقة العمل الفني بنسبة 85 % وهذا بالأبيض والأسود، مع دراسة معادلة الرماديات والخيال ما بين هذين اللونين.

الحاجة أم الاختراع

وعن التقنية الخاصة به التي توصل إليها أوضح، «كانت معدات الحفر ضخمة ومكلفة، ولم يكن باستطاعتي بعد التخرج اقتناءها أو ممارسة هذا الفن. وفي أحد الأيام استوقفتني فضاءات مساحة بيضاء للوحة، وهكذا لجأت إليها دون تردد، ولكن لأتعامل معها بتقنية الحفر على الكرتون بعيدا عن معالجة الأحماض واستنساخ اللوحات، علما أن هذا الفن يعتمد في مساحة واسعة منه على الارتجال. ويضيف، «ومع مضي الزمن وتراكم التجارب والتأمل في أدواتي الفنية، كنت انقاد إلى اكتشافات تقنية وفنية جديدة».

تقنية البناء

ويحكي عن مراحل بناء لوحته، التي تبدأ بطلاء اللوحة بطبقات لونية معتمدة بلا معيار فيزيائي، بعيدا عن نسب الدرجات اللونية وبصورة عفوية، مع اعتماد أرضية اللوحة البيضاء كلون حيادي، تتالى فوقه الطبقات اللونية من أصفر فأزرق فأحمر فبرتقالي لتظهراللوحة في مرحلتها الأخيرة بتلك الألوان السديمية. كما أوضح أن كل خطأ في الخدش يقود إلى تجربة جديدة ليفتح آفاقا لألعاب فنية متداخلة.

الكلمة مصدر إلهامي

ووصف طقوس البدء بلوحة جديدة، «إنها مسألة مركبة، وتتبع الخط الفلسفي لحياة الفنان، وتفاعله الدرامي وتركيبته الداخلية ودرجة الإلحاح باتجاه موضوع ما». وعن منابع استلهام أفكار أعماله قال بلا تردد، «الكلمة تدهشني.. منها أبني عملا. قبل أيام جلست على الكنبة وسرح بصري عبر النافذة، وبعد حين أحسست أن عيني غادرت.

«سرعان ما دونت هذه العبارة لأخرج منها بمجموعة أعمال لمعرضي الأخير (مائة عين وعين) والتي ترصد معظم تعابير العين ومعانيها من مفهوم لكل فعل ردة فعل. في الكلمة شحن قوي.. عصف حقيقي للذاكرة الفكرية والروحية لتنفض كل الغبار الداخلي». ويتابع، «حينما أصل في الصباح إلى مرسمي أجلس مع فنجان القهوة ليأخذ زمن التوازن مداه في انتقال جزئيات الروح من «ومن كلمات تداعبني في الصباح أرحل إلى عوالم اللوحة .. إلى لوحة سوداء أمامي.. لا أعرف ما تريده مني ..

ولا أملك سوى نقش خطوط عشوائية تجريدية أو واقعية أو كلمات هي الشجرة التي أحزن تحتها. تستقبلني اللوحة لأفرّغ كل ما يعتمل في داخلي من شغف وفرح وحزن.. الحزن الذي يسمو بالنفس وإن كان في الارتقاء ألما .. ليأخذ مكانه الشجن الذي يستجمع أحاسيس الإبداع». وختم وصفه قائلاً، «العمل الفني تمجيد للصراعات التي تعتمل داخل الفنان».

مراحل تجربته الفنية

وعن المراحل التي اختزلت سيرته الفنية أوضح، «لا يوجد خط فاصل أو منعطفات، لازالت طفولتي معي حتى اليوم، لم أفارقها أبدا إنما أعيد تشكيلها. فمن الرسم على الإسفلت بالطبشور إلى الورق، وفيما تنمحي لوحة الطريق مع المطر تبقى لوحتي في الذاكرة إلى حين تحل أخرى مكانها».

ويذكر أن بداياته تجلت من روح الذاكرة التي استقاها من حكايات والدته وجدته عن أهل أرض فلسطين الجذلى بأغاني الأمهات الطيبات حيث التقت في لوحاته الأساطير والملاحم والديانات وكل ما يزخر به التاريخ من حضارات، ليمجد حضور المرأة ودورها سواءً في الحصاد أو جني المحاصيل أو عملها في المصانع والمعامل ضمن إطار اللوحة التشكيلية.

ووصف تلك المرحلة بقوله، «كنت اقترب من الواقعية أو ابتعد قليلا عنها، لكن اللوحة في المحصلة ليست بواقعية أو تعبيرية محضة بل هي حالة شخصية لها خصوصيتها».

وأوضح أن «أهم ما يميز اللوحة هو التقنية، ولا بد في أي عمل فني من إظهار الفكرة أو الدلالة من خلال التقنية التي تضيف توهج الإبداع». ويرى الوهيبي «أن تطوير أدوات الفن هي هاجس كل فنان مبدع، يحلم في كل يوم ومع كل عمل بتجاوز نفسه، مع ضرورة النسيان من خلال تجدد المعرفة». ويبين أن موضوع اللوحة يأخذ الفنان في كل مرة باتجاه مختلف يندرج تحت مؤثراته الحسية وخياله الجامح سواء باتجاه السريالية أو الانطباعية أو أي تيار فني آخر.

خصوصية الحفر

وعن خصوصية هذا الفن ومن اختاروه قال «إنه فن بحاجة إلى تأمل عميق بالمادة، ولا تزال الدهشة تتملكني من تقنيات بعض المواد، كالدخول إلى عمق المعدن وتأمل صدأه وتحولاته بالمكبرة، والرماد، ونسيج القماش وتقارب سدام الخيوط وملمس الجدران، جميعها كشف حقيقي لنوتات بصرية».

ويتابع، «في أوراق النبات الجاف الكثير من الأطياف التي أنسجم وأتناغم معها وهي بمثابة موسيقى بصرية. وهذا نابع من رغبة الإنسان في اقتناء شيء غير أساسي، ليكون بمثابة قوة أخرى سواء في الرؤيا أوالتلمس وهو أمر أشبه بالموسيقى البصرية».

الحفر ورواد الفن

وعن اهتمام عمالقة الفن بالحفر قال، «يتطلب هذا الفن الكثير من التعمق والتأمل كما ذكرت، لذا ليس بالغريب إن أدهش هذا الفن كبار الفنانين من غويا إلى جواتيرو وبيكاسو وغيرهم بعوالمه التجريبية اللامتناهية. كما أتاح للفنان أن يبيع العديد من نسخ أعماله مما ساهم في توفير المال له وانتشاره شعبيا في الوقت ذاته. والأهم من كل ذلك الاكتشافات التي كانت تفاجئ وتدهش الفنان لدى معالجة أعماله بالأحماض والطباعة.

انفتاح الفنان العربي

وعن مكانة الفنان العربي في عصر انفتاح العالم، قال «لعبت العولمة دورا كبيرا سواء في إطلاعه على تجارب الفنانين في الغرب من خلال الانترنت وبالتالي الارتقاء برؤيته البصرية والفكرية أو في توصيل تجربته لهم ومن ثم الوصول إلى لغة مشتركة في الفن».

ويؤكد أن اهتمام الغرب بفن البلدان الآسيوية، ساهم في تفعيل الحركة الفنية في الوطن العربي أسوة بالبلدان الأخرى، وفتح سوقا جديدة لقطاع المال من خلال الاستثمار في لوحات فنانيهم، التي باتت تباع بأسعار خيالية لدى وصولها إلى السوق الغربي.

أهمية العزلة والانفتاح

وعن دور العزلة في حياة الفنان قال، «من الجانب المهني، فإن المحترف أو المرسم هو بمثابة مختبر لصياغة الأشياء التي تدور في ذهن الفنان، والعزلة ضرورة له ليعيش مع الموسيقى والتأمل واستقبال كل الكون باتجاهه عن طريق الخيال. فالخيال هو الحافز الحقيقي الذي يحمل الفنان باتجاه أفكار الإبداع.

مصادقة الجمال آخر المطاف

وفي الختام يذكر أن الحركة الفنية في سوريا جدلية وجدية وهناك العديد من الفنانين الشجعان الذين لديهم سيادة على أعمالهم الفنية سواء فيما يرتبط بالتقنيات أو الأفكار. ويضيف «إن وعي الناس بالفن يحتاج لجهد ثقافي كبير لمصادقة الجمال. والفن بمثابة مصحة نفسية تعيد تأهيل كينونة الإنسان وتساعده على نمو شخصية من خلال التعايش في عوالم جماليات الفن».

الفنان في سطور

* مواليد فلسطين ـ طبرياعام 1948.

* خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق قسم الحفر 1984.

*عضو الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين / فرع سوريا.

* عضو نقابة الفنون الجميلة.

* عضو اتحاد الفنانين التشكيليين العرب.

* يقيم معارضه سنويا.

* اشترك بالعديد من المعارض جماعية وفردية في الداخل والخارج.

رشا المالح