لبس ثيابا خفيفة وحذاء رياضيا استعارها من خزانة ابنه البكر. نظرت إليه زوجته مستنكرة، متسائلة عن وجهته. أشار إليها أن اجلسي الآن، ابك على حميك وحاميك حتى شروق الشمس سوف يمتلئ الدار بالرجال ولن يتاح لك بعدها فعل شيء.

انطلق خارج البيت، لم يغلق الباب خلفه كما اعتاد أن يفعل طوال حياته. بل تركه مشرعا على مصراعيه وركض يسابق خياله. ندى الفجر يتساقط من الهواء رذاذا منعشا.واصل الجري.. إلى أين ؟ لم يسأل نفسه بل ترك حذاء ابنه يسير به في ما يشاء من الدروب ومشى ناظرا إلى مواطئ قدميه.توقف لاهثا فوجد نفسه أمام الكورنيش، توقف ليعب النسيم بملء رئتيه، كان الفجر يسوق خيوله من الشرق رافعا رايات الضياء، والبحر صفحة رمادية باهتة، تتماهى مع غبش الفجر، تعكس في ارتعاشات أمواجها بقايا نجوم، تومض في محاولة لإثبات وجودها خارج إطار الليل، مراكب الصيد أحلام بيضاء تغفو على سرير الموج الهادئ، دنا من حافة الجرف الصخري، فشعر بجسده يتحول إلى موجة أثيرية شفافة، تحاول الإفلات منه والطيران في هذا الأفق اللامتناهي، تماسك، نظر للأسفل، أجمل مطاعم المدينة ومنتزهاتها ينام وادعا تحت قدميه مغلق الأبواب تشع أنواره بكسل منهزمة أمام زحف النهار القادم.

أغمض عينيه، تمنى لو يطير، لو يجد مكانا له بين أسراب النوارس، التي تتوالى في يقظتها فترسل زعقات الفزع، على نهار ضاعت منه بضع دقائق في النوم وما كان ينبغي أن تضيع.

انتبه لنفسه، نظر حوله من جديد، فرك عينيه بظاهر كفيه ليتأكد من يقظته، كان النهار يركض مسرعا، والشمس تجاوزت في سيرها الحثيث خط الأفق، محمرة الوجنات تلهث بين مزق السحاب الأبيض، فتحول لون ماء البحر من الغبش إلى الزرقة المتدرجة، بهره المشهد، ود لو يخلع ثيابه ويلقي بجسده وسط هذا السحر، تمنى لو يسبح حتى ينأى عن الشط وعن الكون، ليتلفت حوله فلا يرى سوى الزرقة تحيط به وتبتلعه، نزل عن الجرف، مشى حتى وصل الى الماء، اغترف بيده غرفة، رفعها إلى فمه فتقبضت عضلات وجهه من شدة ملوحتها، تيقن الآن، والآن فقط، أن ماء البحر مالح أجاج.

في هذه المدينة البحرية أمضى حياته، يدور بين أزقتها كل يوم، يدق كل الأبواب، يوزع الخبز من فرن أبيه على بيوت يأنف سكانها من الوقوف على شباك الفرن، ويعود إلى أبيه في منتصف النهار، ثم إلى بيته، لم يطق في طفولته الالتزام بنظام المدرسة، وفضل عليها العمل في الفرن مع أبيه، لذلك ما كان له في حياته أصدقاء.

ولا رفاق سوء، ليهرب معهم فيرود شاطئ البحر، وما تجرأ يوما على الإفلات من قبضة أبيه الحديدية، عاش أيامه المتشابهة قريبا من البحر، لكنه ما تعلم السباحة ولا شاهد انعكاس أشعة الغروب على زرقة الماء المالح .

من جديد خفق قلبه بالأمنيات، لو أنه يتقن السباحة لسبح الآن متحديا خلو الشاطئ وبرد الشتاء، لو فعل ذلك لغرق، ولن يجد له منقذا، سيموت، وهو اليوم يشعر بشوق للحياة ويتمسك بها بشكل لم يعهده في نفسه من قبل، ففي منتصف الليل الفائت لفظ أبوه آخر الأنفاس، أغمض له عينيه وربط فكه، ثم غطاه بملاءة بيضاء نظيفة كما يفعل أي ولد بار، ثم جلس على مقربة يغالب انفعالاته .

اليوم ستبدأ حياته الحقيقية، اليوم هو ميلاده الحقيقي، سيكون إنسانا حرا، لن ينهره بعد اليوم أحد على أخطائه الصغيرة، لن يطرده الصوت الأجش قائلا: اذهب إلى عملك وابعد عن مجالس الكبار يا ولد، لن يبحث بعد اليوم عن ظلال مذلته وانعكاس صدى (يا ولد) في عيون أولاده، سيروح ويرجع، سيدخل ويخرج، سيجالس من يشاء متى يشاء، سيصرخ في وجه زوجته، وربما يضربها، فلن تجد لها حما يدافع عنها ويتبنى كل أرائها ومواقفها، سيربي أولاده على هواه، سيوجههم في دروب الحياة إلى غير الوجهة التي اختارها ووافق عليها أبوه، سوف.. وسوف.. وسوف.

قلبه يتراقص فرحا بين الضلوع، شعوره بالانعتاق يطغى على كل شعور، بعد سويعات سوف يدفن أباه،ويدفن معه كل هوانه وضياعه، سيتحرر من كل أوامره ونواهيه، ولكن لا يجوز إظهار الفرح في مناسبة كهذه، لذلك قرر الاستمتاع بفرحته هنا، بعيدا عن كل التعليقات وكل العيون.

مشى على حافة الماء يحاذر ابتلال حذائه، بل حذاء ابنه، فالابن البكر المسمى على اسم جده لا يطيق أن يرى أشياءه بين أيدي الآخرين، كل من في البيت يحسب حسابا لثورته، ويقف جده وكذلك أمه، في صفه مهما كانت دوافعه، صعد في الدرب الصخري الضيق المحفور على خاصرة الجرف، لا يكاد يرى سوى مكان قدمه، توقف لالتقاط النفس فانكشفت أمامه صفحة البحر، ما أسعدك بحريتك المطلقة أيتها النوارس، ثم طرح سؤالا: هل للنوارس آباء يقيدون حركتها؟

على بعد خطوات منه وقفت قطة صغيرة، راحت تنظر إليه مرسلة مواء ضارعا، هذه القطة وأمثالها اعتادت على التقاط طعامها من فضلات المطعم ومما يلقي به إليها المتنزهون.

وقف يتأملها، ناداها، دنت منه، رماها بحصاة، أجفلت، رماها بأخرى ثم أخرى، أطلق عليها صرخات غاضبة، هربت البائسة من وجهه ولاذت بنتوء صخري، لحق بها، غمرته موجة جديدة من الفرح، ها هو ذا يخيف مخلوقا ما، فيهرب منه ويختبئ، لحق بها، رماها بحجر، ظل يلحق خطواتها منتشيا بنصره في أولى معاركه مع الحياة، وهي تمعن صعودا في الجرف حتى وصلت إلى الإسفلت.

حين وصل إلى الطريق العام رأى جموع المتنزهين تتزاحم على الرصيف، رجال ونساء من كل الأعمار، أطفال وكهول، الكل يركض أو يهرول في رياضة صباحية مستغلين صحو هذا النهار الشتائي، والفرح قاسم مشترك يزهر على كل الوجوه، في مشهد يومي يألفه هذا الشاطئ، أصابته العدوى فنسي القطة وفرح، ركض معهم، بل ركض به فرحه حتى سبقهم، ظل يجري حتى بلل العرق ثيابه الداخلية، توقف فسفعته الريح الباردة، مخترقة ثيابه الرياضية الخفيفة، بدأ يرتجف من شدة البرد، تلفت حوله أين غاب البحر؟

تذكر ما جاء من أجله، بل تذكر ما ينتظره في البيت، قرر العودة، لكنه لا يعرف دربه إلى بيته، كل الشوارع والأزقة هنا غريبة عن ناظريه، تابع السير وراحت مجموعات الراكضين تختفي خلف أبواب البيوت القريبة، وبعضهم يركب سيارات ويمضي بها إلى حيث لا يدري، وبقي حائرا ينهكه البرد وتخفق به ريح الضياع.

سيارة أجرة توقفت قريبا منه، ناداه سائقها تفضل يا أستاذ، ثم سأله: أأنت غريب؟.. أجال النظر فيما حوله، أجل انه غريب في مدينته، غريب في بيته، غريب في نفسه، غريب في لقب الأستاذ الذي منحه إياه السائق مجانا، هز رأسه بالموافقة، تابع السائق: تفضل لأوصلك، فتح له باب السيارة الأمامي وأشار إليه بالدخول، جلس، وقد راودت نفسه نسمة من الأمل، ها هو السائق يعامله معاملة الكبار المحترمين، سأله السائق: الى أين تود الذهاب؟

سأله بدوره: وهل تعرف كل أحياء المدينة؟ ضحك السائق وعقب: بل أعرف حاراتها وأزقتها، مدينتنا صغيرة لا يضيع فيها غريب، وهل تعرف حي الرمل؟ سأل متلعثما، هز السائق رأسه بالموافقة، أنزلني أمام فرن أبي جمعة، ضحكة السائق وادعاؤه معرفة كل شوارع المدينة الصغيرة وأزقتها تحولت جدارا، حبست خلفها نسمة الأمل التي تحركت لتوها في صدره وأعادته إلى كآبته .

حين وصل الى حارته. رأى الزقاق يضيق بالجيران، ورأى كل إخوته وأخواته وأولادهم بانتظاره، ليحملوا الجثمان إلى تربته، ويكملوا مراسيم الجنازة فهو الولد البكر للفقيد، وهو صاحب البيت، كانت الجثة قد غسلت ولفت بأكفانها، وجهاز التسجيل يخترق بصوته أفاق الحارة مرتلا آيات من القرآن الكريم.

وزع نظرات مرتبكة في الوجوه المتسائلة، رأى في كل وجه بعضا من ملامح أبيه. وفي كل نظرة غضبى رأى قبسا من غضب أبيه، أما ابنه الأكبر، والمسمى على اسم جده، فقد وقف في المقدمة، يزرع نظرات غاضبة صامتة مستنكرة، في ثيابه التي يرتديها أبوه.

دنا من الجثمان الغارق في أكفانه، جثا قريبا من الرأس وانفجر في بكاء مر، راح نشيجه يعلو ويعلو، حتى طغى على جلبة النساء وصوت آلة التسجيل، كان يستعرض في خياله كل ما ينتظره من الويلات، هذا الفرن الذي أغلق خلال مرض العجوز، هل سيعود فيفتحه؟

أم سيتقاسمه الوارثون ويحرمونه من مصدر رزقه؟ وإذا فتحه، هل سيقدر على إدارته؟ مازال صوت أبيه معششا في زوايا البيت وزوايا الفرن كالعنكبوت اذهب إلى عملك ودع حديث الكبار يا ولد، هذا الولد الذي رضي أن يعيش حياته ولدا، لم يتعلم شيئا من أعمال الكبار.

ولا حاول التعلم، فهو لا يعرف من أين يشتري الطحين، ولا يعرف كيف يدير آلات العجن والخبز، ولا يملك من الجرأة ما يخوله النظر في وجوه عماله ناهيك عن قيادتهم وإصلاح ذات بينهم، عاش عمره ملاصقا لأبيه، مرتاحا الى ظله ونسي أن يكبر، بينما فر إخوته من البيت كالعصافير قبل أن ينبت الزغب في وجوههم، بحثوا عن دروبهم في الحياة بمباركة أبيهم ووجدوها، فصاروا أحب الى أبيهم منه.

تراكض الجيران إليه في محاولة لتهدئة ثورة بكائه، فتقدم الحاج مسعود، وأبعدهم بعصاه، وراح يخطب فيهم قائلا بأنه كان أقرب الناس من حياة المرحوم وابنه، لقد عاشا حياة مشتركة لم ينفصلا إلا اليوم، مثل هذه الصحبة وهذا الود يستحق أن يبكى وتشق عليه الجيوب .

ما كان يعنيه ما يقوله الناس ظل يبكي ويبكي حتى ضاقت به أنفاسه، كانت زوجته تقف صامتة عند الطرف الأخر من الجثة، ترسل إليه عيناها المحمرتان نظرات سريعة متتالية كشرر النار، هذا الشرر، وحده كان كافيا لإحراق صك عتقه، الذي رفرف من حوله. ودنا من وجهه ثم دنا. حتى لامس أنفه ولم تدركه يداه.

الكاتبة في سطور

* ابتسام شاكوش من مواليد اللاذقية - الحفة

* عضو اتحاد الكتاب العرب جمعية القصة والرواية

* حاصلة على جائزة البتاني للقصة القصيرة والمقامة في مركز ثقافي الرقة 1995 وجائزة المهرجان القطري للشبيبة الجائزة المركزية للاتحاد النسائي في دمشق وجائزة منتدى أصحاب القلم في الكويت وكان آخرها جائزة المزرعة لأفضل رواية عن روايتها الوجه المكسور 2001 .

* ترجمت بعض قصصها إلى اللغة الصينية ترجمها الدكتور عارف لي رونغ جيان كما ترجمت روايتها «الوجه المكسور» إلى اللغة الألمانية.

ابتسام شاكوش