يمنى العيد ناقدة وباحثة وأستاذة جامعية لبنانية تعرف بصرامتها الأكاديمية، وعدم ميلها للمجاملات، لها باع طويل في التأليف والنقد والتحكيم، وذات بُعد مؤثر في الحركة النقدية العربية، وهي عضو لجنة تحكيم وقراءة الأعمال المرشحة لجائزة «مالك حداد» في الجزائر منذ تأسيسها.
وكذلك كانت رئيس لجنة التحكيم في ملتقى الإبداع الروائي العربي الرابع بالقاهرة، وهي الآن مديرة الدورة الثانية لجائزة بوكر العربية التي ستعلن نتائجها قريباً، ولها العديد من المؤلفات أبرزها «في النفاق الإسرائيلي»، «تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهاج البنيوي»، التقيناها خلال وجودهما بالقاهرة وكان هذا الحوار حول واقع الرواية العربية والتحديات التي تواجهها..كيف تنظرين إلى حال الرواية العربية الآن؟الرواية العربية قطعت شوطًا كبيرًا في تميزها، وفي وصول بعضها إلى أن تعادل أهم الروايات في العالم، بدليل بعض الأعمال التي قرأناها مؤخرًا، وفي رأيي أنها تتمتع بقدرة فنية وقيمة جمالية عالية استطاعت تجسيد عالمنا المتخيل.
هل يمكن للنقد الغربي أن يقرأ الرواية العربية؟
الرواية حدث مرتبط بالمدينة وعوالمها، لأنها تتطلب شخصيات وتعدد مستويات الكلام واللغة، وفيما يخص قراءة النقاد للرواية أنا أنطلق من النص الروائي لمحاولة قراءته بمرجعية من مرجعياته «بالمرجع الحي»، الذي يشكل أحد العناصر المهمة للحكاية، ففي كتابات نجيب محفوظ كانت الرواية الفنية تحاكي قواعد الرواية الغربية من حيث الحبكة، والنسج الروائي كان قائمًا على المقدمة والعقدة والحل، فقواعد الرواية ليس لها هوية وطنية أو قومية وهي تتغير عبر مراحل التاريخ، وعندما يجد الراوي أنها لا تلبي حاجته لحكايات بلده أو مجتمعه فإنه يكسرها، ويبحث عن قواعد جديدة يتبناها.
برأيك هل هناك مناطق يحرم على المبدع الخوض في تفاصيلها عن طريق الرواية؟
كل روائي له مطلق الحرية أن يتناول ما يشاء وما يرى، طالما أنه مقتنع بما يقوم به، والعمل الروائي متروك لصاحبه في أن يختار العوامل التي يريد أن يحكيها وفي شخصياته وفي لغته، وهذه مسألة متعلقة بحرية الإبداع وخيارات المؤلف، فقمة الإبداع أن تتناول ما تريد مهما تكن النتائج، فهناك العديد من المبدعين والمؤلفين اضطهدوا وسجنوا لأنهم عبروا عن أفكارهم، فلا يطلب من الأديب مثلاً أن يكتب عن كذا وكذا فله مطلق الحرية في الاختيار.
كناقدة «هل ترين فرقا بين الرواية النسوية والرواية الذكورية» كما يطلق عليها البعض؟
أنا ضد مصطلح «نسوية ـ ذكورية»، أنا مع الرواية كرواية لأن هناك قواعد عامة، وشعرية عامة للرواية، سواء كتبت بفكر المرأة أم بفكر الرجل، فقديمًا كان هناك خلط بين الراوي وشخصية الكاتب، أما اليوم فهناك نوع من الإدراك بين النص وكاتبه.
يسوق بعض الروائيين العرب الذين كتبوا بلغة أخرى العديد من الاتهامات للغة العربية بأنها لا تساعد أو تسعف المبدع ... وأن قدسيتها قيد على المؤلف؟
في رأيي إن الروائيين العرب استطاعوا تطويع اللغة العربية، وتنويع محتوياتها وإدخال اللغة المحكية بين العامية والفصحى، وإعطاء كل شخصية نوعا من النطق المتنوع أي أن الرواية أصبحت تعبر عن لهجات مختلفة، ولم يكن ذلك على حساب فهم القارئ لها، وكذا في مصر ولبنان وفي معظم البلاد العربية، حيث أدخلت اللغة «المحكية» بشكل موفق أثرى الرواية وأعطاها مزيدا من المصداقية والانتماء لطبقات الشعب، وفئات الناس بما يوافق أو يماشي تقاليدهم وسلوكياتهم، وأبرزت مزايا شخصية كل شعب وفق تراثه وتاريخه.
الأوضاع السياسية في لبنان - هل كان لها دور في ميلاد جيل روائي جديد له سمات خاصة؟
بعد العام 1975م سادت في لبنان الرواية النقدية أو ما يمكن أن نسميه رواية الحرب، وكان لتلك الرواية تميز كبير من ناحية شعريتها، وتعاملها مع الزمن وحبكتها والشخصية التي قدمتها «ملتبسة متوترة»، بحيث كسرت الزمن والأبطال وبنت عالمًا متناثرًا ضمن حبكة فنية «كانت ضد الحرب والدمار».
هل تحتل الرواية المكانة الجماهيرية للشعر في الوقت الراهن؟
الرواية استطاعت أن تأخذ مكانًا لا بأس به، لأن السرد لعبة جميلة لها ارتباط بواقع الناس وزمن تاريخي بالمعنى المعين وحياة الناس أكثر من الشعر الذي يتعامل مع زمن ميتافيزيقي واستشرافي يرتبط بالحلم، والإنسان بطبعه ميال لقراءة واقع حياته، والأمر في النهاية متروك لقدرة الشاعر أو الروائي وقدرته على التعبير عن حاجات وطموحات الناس.
البحث عن القيم المختلفة
ساهمت الحرب الأهلية اللبنانية في تدمير القيم الثقافية في وقت كانت الرواية اللبنانية تعيش زمن البحث عن قيم مختلفة، حيث حطمت الحرب كل القيم الموروثة والتقليدية كقيمة النضال والبطولة، والإبداع إذا لم يكن له علاقة مع الإنسان في أبعاده السامية فهو ليس في حاجة لمن يسقطه لأنه يسقط من تلقاء نفسه.
خدمة: وكالة(دار الإعلام العربية)

