على الرغم من أن العالم لم يعد كما كان قبل بروز نجم المفكر والأكاديمي الأميركي المعروف صموئيل هنتنغتون،الذي غيبه الموت، مؤخرا، عن عمر ناهز 81 عاما، وقبل أن يتفتق عقله عن منظومة فكرية سمتها الأساسية العنصرية وكراهية الأجانب، ألقت بظلال قاتمة على مصائر شعوب العالم أجمع وفي مقدمتها الشعوب العربية، إلا أن وسائل الإعلام العربية ومعها لفيف المثقفين الذين تتصدر أسماؤهم وصورهم صفحاتها وشاشاتها الأولى تكاد تخلو من أي تعليقات أو تحليلات من شأنها أن تلقي ولو بعض الضوء على ما تعنيه أطروحته وانعكاساتها التي تقطر سما ودما على المجتمعات الإنسانية كافة بما فيها مجتمع الولايات المتحدة نفسه.
لا ندري كيف يمكن لشؤون مجتمع ما أن تستقيم بعيدا عن معرفة ما يحيط به من حراك فكري ونوايا مبيتة لدى خصومه عموما والمفكرين منهم على وجه التحديد،خاصة .وأن الدور الذي يلعبه هؤلاء ككاسحات فكرية عملاقة تمهد الطريق أمام شتى أنواع العدوان يفوق من حيث أهميته وتأثيره ومداه ما يمكن أن تحدثه حتى آلة عسكرية عمياء من تخريب ودمار في كنف المجتمعات المغلوب على أمرها التي تستهدفها تلك الأطروحة البغيضة،التي تقف خلفها وتغذيها مصالح حفنة من مصاصي دماء الشعوب المتربعين على عرش المراكز الاحتكارية العابرة للقارات.من هو صموئيل هنتنغتون؟ ولد صموئيل فيليبس هنتنغتون في 18 أبريل 1927 في نيويورك. تخرج من جامعة هارفارد وعمره 18 عاما فقط ليبدأ بإعطاء الدروس هناك وعمره 23 عاما.
وهناك مارس مهنته وطورها حتى ترك التدريس في عام 2007 بعد 57 عاما من النشاط المكثف أصدر خلالها 17 كتابا وأكثر من 90 بحثا حول السياسة الأميركية والدولية والديمقراطية والإستراتيجية العسكرية. عمل طوال هذه السنوات أستاذا للعلوم السياسية في كلية «إيتون كوليج» ومديرا لمعهد «جون إم أولن» للدراسات الإستراتيجية. كما قدم هنتنغتون المشورة لهيئات حكومية عدة وكذلك لمجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض الأميركي ولجنة العلاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وذلك من بين العديد من المؤسسات ألأخرى. بيد أن هذا البروفسور لم يحقق شهرة عالمية لأنه كان مستشارا للرئيس ليندون بي. جونسون، داعما عمليات القصف الأميركية للمناطق الريفية في فيتنام فحسب، بل أيضاً من خلال مقالة له عام 1993 نشرت على صفحات مجلة «فورين أفيرز» تحت عنوان «صدام الحضارات، إعادة تشكيل النظام العالمي».
عندما ظهر هذا العمل البحث ارتبط على الفور ببحث آخر مثير للجدل كتبه فرانسيس فوكوياما تحت عنوان «نهاية التاريخ»، إذ يرى هنتنغتون أن العالم المعاصر يتكون من عدة حضارات تخوض صراعا فيما بينها منتقدا الاعتداد بالنفس في العالم الغربي وغير الغربي محذرا الغرب من إمكانية خسارة هيمنته على العالم إن لم يتبنى حالة التوتر الكامنة تلك.
أما مؤلفه الثاني الذي تربع على عرش أهم إصدارات الكتب خلال السنوات الأخيرة فجاء تحت عنوان «من نحن؟ تحديات الهوية الوطنية الأميركية». هنا يقفز الأيديولوجي الأميركي قفزة أخرى في الفراغ من خلال إمعانه في رد المشكلات التي يواجهها المجتمع الأميركي إلى أسباب تتعلق دائما بالآخر القابع خلف الحدود وذلك الذي يراه متغلغلا بين ظهرانيه في نسيج المجتمع الأميركي مهددا الهوية الوطنية.
حيث يمثل مجموع المهاجرين الناطقين بالاسبانية السمة الأبرز لذلك التهديد القادر،حسب رأيه، على «تقسيم الولايات المتحدة إلى شعبين وثقافتين ولغتين»، متناسيا أن المجتمع الأميركي برمته يقوم على متتالية من الهجرات التي لم تتوقف منذ اكتشاف ما يسمى بالقارة الجديدة، ما دفع الكثيرين إلى اتهامه بالعنصرية وبكره الأجانب بسبب دفاعه عن فكرة تفيد بأن الولايات المتحدة هي الأمة الوحيدة ذات الثقافة الأنجلوساكسونية والبروتستانتية.
صحيح أن هنتنغتون لا يدرج الإسلام في مؤلفه هذا ضمن قائمة التحديات التي يواجهها مجتمعه الأميركي، إلا أنه لا يتوانى عن طرح فكرة أكثر غرابة تقول إن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية من شأنه المساعدة في تحقيق التفاف الأميركيين المنشود حول هويتهم الوطنية في المستقبل المنظور، ما يوحي إن لم يكن يؤكد أن الرجل لم يجلس ويرصد واقعا فكريا قائما في الحياة الفعلية للمجتمع الأميركي.
بل إنه جلس كأي كاتب سيناريو ووضع تصورا فكريا مسبقا لمكونات المجتمع الأميركي يقوم على العداء للأجانب ورفضهم من حيث المبدأ، وسرعان ما يتحول هذا التصور إلى بوصلة تسير على هداها الولايات المتحدة في جميع سياساتها المصيرية الداخلية والخارجية.
ويؤكد مؤلف رواية «موت أرتيميو كروز» أن «الحملة الصليبية الجديدة التي يشنها هنتنغتون موجهة ضد المكسيك والمكسيكيين الذين يعيشون ويعملون ويثرون الأمة الشمالية»، مضيفا أن «المكسيكيين، في نظر هنتنغتون، لا يعيشون بل يغزون ولا يعملون بل يستغلون ولا يثرون بل يفقرون،لأن الفقر يعشش في طبيعتهم ذاتها.
كل أولئك، بالإضافة إلى عدد من المكسيكيين والأميركيين اللاتينيين الذي يعيشون في الولايات المتحدة، يشكلون تهديدا للثقافة التي يتجرأ الأكاديمي الأميركي على وصفها بأنها ثقافة إنجليزية أميركية بروتستانتية تقوم على العرق الأبيض».
الروائي والباحث المكسيكي يرد على ما يذهب إليه أستاذ جامعة هارفارد في هذا السياق ويقول إن «المكسيكي والهسباني عموما يقدمان ثروة للولايات المتحدة، يعطيان أكثر مما يتلقيان، يرغبان في الاندماج في الأمة الأميركية ويبغضان العزلة الثقافية التي تقود الكثير من حكام واشنطن إلى كوارث دولية».
يضاف إلى كل ذلك ذاك الواقع الذي يشي بأن المهاجرين من أصول أميركية لاتينية يفترضون كذلك تعددية سياسية ساهم فيها ولا يزال الأفارقة الأميركيون والسكان الأصليون النشطون والبولونيون والروس والألمان والعرب واليهود.
ذهاب هنتنغتون إلى أقصى اليمين في أطروحته دفع فوينتيس إلى اتهامه بتجديد «عنصرية قديمة معادية للمكسيك»، عنصرية قال الكاتب إنه شهدها منذ نعومة أظفاره عندما كان يدرس في العاصمة الأميركية.
كما عززت هجمات 11 سبتمبر ما ذهب إليه هنتنغتون بطرحه أن العداء للإسلام والحضارة الإسلامية من شأنه أن يساعد على التفاف الأميركيين المنشود حول هويتهم الوطنية بعد أن راحت أركان هذه الهوية «تتكسر» على صخرة مجموع التحديات التي يفرضها الأجانب والمهاجرين على مجتمع العم سام.
لكن انحطاط فكر هنتنغتون لا يقلل من وصفه المفكر ألأكثر تأثيرا في الولايات المتحدة وربما في العالم. شهرته تمثل حالة غريبة من نوعها. كان عمله مثيرا للجدل والنقاش بشكل حاد في وطنه وفي الأكاديمية نفسها التي كان يعمل فيها.
في الخارج، كم أصبحت أطروحاته في وسائل الإعلام وفي المنبر السياسي أصبحت أطروحاته تشكل حجر الزاوية في النقاشات العالمية، حيث أصبح من غير الممكن السير من دون التعثر بخطواته. كان باحثا صعب المراس انخرط منذ البداية بالإشكاليات الفكرية. في عرض لكتابه الأول قارنه كاتب العرض بموسولينيني، على اعتبار أن نظريتاهما متماثلتين.
حينها كان هنتنغتون يتكلم عن الحاجة إلى حماية المجتمع الأميركي بجيش محترف لا تقوم عقيدته على القيم الليبرالية وإنما على الواقعية المحافظة. الأكاديميون الأميركيون المتطلبون في معالجة المعطيات عند وضع النظريات في مضمار العمل البحثي الدؤوب كانوا ينظرون دائما بشيء من عدم الثقة إلى المفكر السياسي الذي رفض التخصص، فاندفع نحو دراسة جميع ميادين وبيئات الظاهرة السياسية: النظام، الأحزاب، الديمقراطية، تأثير الثقافة، الحكم، الأمن القومي، المأسسة، كما تجرأ على الحديث عن كافة الأنظمة والإدلاء بدلوه حول أي قضية في العالم، لكنه كان يقوم بذلك مستخدما أدوات فقيرة مرارا وتكرارا لاجئا إلى الأحكام المسبقة المرفوضة في اللغة الأكاديمية.
ذات مرة، عندما نوقشت مسألة دخوله إلى الأكاديمية الأميركية للعلوم، وقف أحد علماء الرياضيات صارخا ووجهه إلى السماء: هنتنغتون ليس واحدا منا، لا يمكننا قبوله في هذا النادي.
غضب عالم الرياضيات كان مفهوما. في كتاب «النظام السياسي في المجتمعات المتحولة»، الصادر عام 1968، حاجج حول أن جنوب أفريقيا في ظل النظام العنصري كانت «مجتمعا ينعم بالرضا». عالم الرياضيات نفسه قام بتحليل حجج هنتنغتون مكتشفا فيها منهجا رياضيا مزيفا، ما دفعه إلى القول إن خطاب هنتنغتون ينحدر من «نوع من اللغة التي تعطي الانطباع بأنه عالم، لكنه عالم يخلو من أي ماهية».
في عام 1968 ذاته، يخطو هنتنغتون خطوة كبرى بنشره كتابا آخر يتناول فكرة حاسمة هذه المرة تفيد بأن التميز السياسي الأكثر أهمية لا يكمن في نوع الحكومة وإنما في مستوى الحكومة، حيث لا يهم إذا كانت هذه الحكومة ديكتاتورية أو ديمقراطية، ما يهم هو امتلاك حكومة أو الافتقار لها، العيش في نظام أو النجاة في فوضى.
كان محافظا راهن على الواقع وليس على الفكرة، على النظام كترياق للفوضى، وتلك كانت ضربته الفكرية الكبرى: سبر غور النظام السياسي كقاعدة لا غنى عنها، بعيدا عن أي اعتبار آخر، فالمهم هنا هو الاستقرار وفاعلية الحكومة التي تتلقى ضرائب وتفرض شرعية وتعاقب المجرمين، بينما تبقى مسائل الحريات والتصويت والرقابة على السلطة قابعة في دائرة الأمور الثانوية.
الفكرة الثانية التي استحوذت على عقل هنتنغتون تمثلت في وزن الثقافة في الحياة السياسية وخصوصا في موضوع الهوية. الاقتصاد أساس في المجتمع والمؤسسات مهمة، لكن قبل هذا وذاك تحتل العادات المرتبة الأولى في السلم الاجتماعي. من هنا وصل إلى الاستنتاج القائل بأن المحور الجديد للصراع في العالم ذو طابع ثقافي وأن العالم سيبقى مدموغا بصدام الحضارات.
ومن هنا أيضاً وصل إلى الاستنتاج القائل بأن قلب بلاده مهدد بغزاة الجنوب، الذين يتكلمون اللغة الاسبانية والذين يقاومون الولوج إلى قدر الخلطة الأميركية.
وعندما ذهب إلى المكسيك نعته الناس هناك بالعنصري لموقفه التمييزي من المكسيكيين، لكن هناك من لا يراه عنصريا ويصفه بأنه مجرد إنسان «قومجي»، في حين يبقى كتاباه الأخيران الأكثر مدعاة للقلق ويعلنان حروبا دموية ويتكهنان بموت بلاده، لكنهما ينطلقان من الأرضية ذاتها المتمثلة في مفهومه عن الثقافة. هنتنغتون يتحدث عن الحضارة والثقافات كما لو كانت صخورا، كما لو كانت معطيات ثابتة. وهكذا يبدو منطقيا القول إن الثقافة نفسها هي حديقة يجب حمايتها أمام تهديد الغزاة في حين تشكل الثقافات الغريبة تهديدا للفكر الجماعي.
ملامح الهوية الوطنية
يعتقد هنتنغتون أن المستعمرين الأوائل في الولايات المتحدة هم من وضع أسس المجتمع الأميركي التي ارتكزت على مبادئهم وثقافتهم الإنجليزية - البروتستانتينية التي قامت عليها أميركا، وبالتالي فإن هؤلاء المستعمرين هم من حدد ملامح الهوية الوطنية الأميركية كذلك، هوية تقوم على ركائز أربع أساسية هي العرق الأبيض، والإثنية الإنجليزية، والدين المسيحي البروتستانتي، والثقافة الإنجليزية البروتستانتينية.
كما يعتقد أن الهوية الأميركية استمدت مزيدا من المنعة اعتمادا على ركيزتين إضافيتين تتمثل إحداهما بالأعداء الذين حاربهم الأميركيون طوال تاريخهم القصير نسبيا على غرار الهنود الحمر و«المستعمرين» الفرنسيين والبريطانيين. أما الركيزة الثانية فهي عقيدة الأميركيين السياسية القائمة على نشر ثقافة مستقلة عن ثقافة الأوروبيين الإقطاعية التي دفعتهم إلى الرحيل عن أوروبا مرة وإلى الأبد باتجاه القارة الجديدة حاملين معهم معتقداتهم.
باسل أبو حمدة


