يشير السكر إلى المُستطعَم إلى خاصية الحلو فيه. إن السكر يسيل اللعاب مثلما يستجيب لرغبة طبيعية في الذوبان، وهي الرغبة ذاتها تلك التي تهدد من يسلَم ذوقياً لها.

ينفتح الحلو على غواية التذوق، ثمة إلحاح ضمني يبرِز السكر وفخ الحلو فيه والذي يتوزع في أطعمة ومشروبات مختلفة بدءاً من لحظة الولادة. الحلو يتجاوز طَعمَه حيث يشمل صفات لها صلة مباشرة بالجمال. إن الجمال لا يقاوَم والحلو يتوزع بين عنصري الجمال: النهل من الحلو وقابلية الإصابة بعدواه، بما أن الجمال يقع بين جانب الإفراط فيه .

وهو الحسن، والتفريط فيه وهو القبح، وأظن أن الحلو يقودنا ونحن ثملون ذوقياً فيه إلى المتجلي فيه حسناً( لنتذكر حِسان الوجوه!)، وهي اللحظة التي تقودنا دون تفكير إلى الجانب المقابل، أي القبح، فالحسن الغاوي يعتّم علينا رؤيتنا بين الحين والآخر لنقيضه، وليس السكّر إلا هذا الإفراط في تقبل حلوه ونسيان المهلِك الذي يتضمنه.

ليس في السكر ما يخيف فالحلو مطلوب وإنما كيفية التعامل معه ونحن كبار خصوصاً، إنه الكائن المذرور الذي يقبل الذوبان كما لو أنه لم يكن موجوداً، والدخول مذاباً في صلب المطعوم: شراباً أو مادة قابلة للأكل، ليكون في مواجهة ذائقة المرء، ترموميتر لتبيان مدى تحكمه بنفسه، إن المخفي أو المتلاشي منه هو الذي يخيف.

وثمة قدر لا بأس به من الخداع في لعبة التعامل معه، عندما تكون المادة البديلة منقوصة السكَّرية، ولكن الرغبة تظل مع الحالة الأولى حيث لا يمكن نسيان حلو السكر، لذة الاستسلام للمذوَّب فيه، ما يجعله منحلاً في طعوم كثيرة، وهذا ما يجعل الدم في حالة اختلال في دورانه أو قيامه بوظيفته من القلب وإليه.كل حلو يتقدم بفتنته وهو بين الممكن الأخذ به وضرورة أخذ الحيطة والحذر منه.

على صعيد الرغبة العينية والقلبية، من الصعب إن لم يكن مستحيلاً غض النظر عن الجميل باعتباره حلواً هنا مهما بلغ الواحد منا من العمر عتياً، الرغبة تكون دقاقة ساعة الزمن المطلق بينما الواقع فهو توقيت للرغبة، والذين يتجاوزون حدود ذواتهم اللحمية والعمرية، إنما يصرّحون ضمنياً بسلطة السكّر وغواية الحلو فيه لكأن الحلو شر لا بد منه، ومن يكون بعيداً عنه لا أظنه يسلَم من تأثير سلطته، ولو في الحلم باعتباره نوعاً من التعويض عن المفقود.

يبقى الحلو مذكّراً بالذكَر وإن بقي غائباً أو بعيداً عن الأعين، حيث إن كل ما يصل إلينا ونحن نتذوقه أو نقبل على التهامه كما في الحلويات، يبقينا معرّضين لعدو الإصابة به. إن الطفولة ذاتها حرارة تشعل من الداخل سببها السكَّر فلا بد إذاً من الاهتمام به، إنما بوجود نظام صحي صارم، لئلا ينقلب على ما تميَّز به إن أول الحلو ملغوم ، أما نهايته فمأزوم.

هل من مفر من السكر وفخ الحلو فيه؟ رغم وجود احتياطيات كثيرة يظهر السكر قائماً متفعلاً بمخاطره ولا بد أن يكون كذلك، لأن الحلو يصلنا بالحياة في أكثر معانيها تلذذاً وانتشاءً.

في السكر يغلب حلوه كل ما عداه، كما هو الجمال الذي يذكّر بالحلو فقط، ولكن حلو الجمال ليس سوى الخارج عن حدوده، حيث يتكتم على جانب الأذية التي يشتمل عليها.

إن ارتباطنا بالحلو في وجوه الحسان، هو توقنا إلى المادة السكّرية التي نشتهي ذوبانها في دمنا، وكأننا نقبل التنازل بسهولة عن أنفسنا ضحية الحلو المرئي، وخصوصاً حين يكون هناك من ينافسنا في تذوقه، فنكون معاً ضحايا هذا الحلو برغبة صريحة منا.

نموت وفي دواخلنا حسرة من الحلو، تخوف من السكّر المذاب فيما هو حلو يتخلل وجوهاً نتمنى لها بقاء أنضر لتكون عزاء لنا في البقاء، وإن كان استمرارها تعريضاً لنا بالاعتلال وبازدياد!تُرى من يمكنه إيقاف غزو السكّر وهو مرشوش ومذوَّب في الحلو الذي نستقتل عليه؟

إبراهيم محمود