يقف المواطن الكويتي أحمد الشمري أمام حامل الصحف اليومية في المكتبة، تجوس عيناه قرابة العشرين صحيفة محلية، بين عربية وأجنبية، ازدحمت بها واجهات عرض الصحف.. بعض هذه الصحف مضى على صدوره قرابة الأربعة عقود، وبعضها الآخر لم يمض على صدورها سوى بضعة أيام..

لكن احمد الشمري الذي اعتادت يده على صحيفة معينة لا يستطيع أن يغير خياراته حتى الآن، فبينما عيناه تتجولان في عناوين الصحف الجديدة، تمتد يده إليها لتسحب صحيفته القديمة التي اعتاد عليها.! ويقل بأنه ما زال يشتري صحيفته القديمة المفضلة، ولم يشتر حتى الآن أيا من الصحف الجديدة، بل يمعن في ذلك فيرى أن بعض زملاء ديوانيته لم يسمعوا بعد بأسماء عدد من هذه الصحف! حسابات الواقع والأحلام شهية مفتوحة جدا وإقبال منقطع النظير لدى الكويتيين اليوم على إصدار الصحف، التي ظلت حكرا حتى عام 2006 على خمس صحف فقط تفرد صفحاتها للقارئ الكويتي، إلى أن اقر مجلس الأمة قانون المطبوعات الجديد الذي سمح بإصدار الصحف، فانهالت الطلبات بالمئات، لكن الذي صدر منها بالعشرات، ولا احد يعرف ما إذا كان هذا العدد سيصمد أيضا حيث ان حسابات الواقع جاءت غير حسابات الطموحات والأحلام.

الصحف الأساسية والتي هي :«القبس» و«الأنباء» و«الوطن» و«الرأي» و«السياسة»، ظلت حتى الآن متمسكة بمواقعها سواء التسويقية أو الإعلانية، وان كان رئيس قسم الإعلان في صحيفة القبس طارق سلطان يرى أن ثمة تأثرا انتاب الإعلانات في الصحف القيمة، إلا انه تأثير يراه طفيفا و لا يصل إلى درجة الخسارة، فبعض هذه الصحف استدرجت الإعلانات إليها، لكن بنسبة محدودة.وفي الوقت الذي تعرض له قانون المطبوعات إلى بعض الانتقادات، فإن عددا من المحليين يرون بأن أهم حسناته انه سمح بفتح التراخيص الجديدة، مما كسر الاحتكار الإعلامي السابق. وفسح المجال أيضا أمام ظهور كتاب جدد، وهو الرأي الذي أدلى به أمين عام رابطة الأدباء في الكويت حمد الحمد، الذي يجد أن هذا الإصدار المتعدد للصحف أتاح ظهور صفحات ثقافية منافسة وأدى أيضا إلى الاطلاع على تجارب كتابية جديدة لأقلام كانت غير معروفة سابقا، مما فسح الطريق أمام أفكار وتوجهات فكرية متنوعة على الظهور.

تجربة قاسية ولكن حتى الآن فإن المقومات التجارية الداعمة لهذه الصحف لا يبدو أنها تسمن أو تغني من إصدار، وقد كانت تجربة قاسية تلك التي خاضتها إحدى هذه الصحف الجديدة عندما سحبت عددا هائلا من صحافيي المؤسسات الإعلامية القديمة، إضافة إلى الذين أحضرتهم من بلادهم وخصوصا من لبنان، بمرتبات ضخمة، لتجد الصحيفة نفسها في حالة تضخم إعلامي لم تحتمله.وحين لم تستطع ان تحقق دخلا يغطي تكاليفهم وتكاليف الطباعة ما كان منها إلا أن سرحتهم جميعهم وقلصت عدد صفحاتها ونقلت معظم مكاتبها إلى دولة عربية أخرى على سبيل التوفير، ولم يبق لها من رأسمالها إلا المبدأ السياسي الداعم لها.ولكن هذه التجربة المريرة لم تشكل رادعا للآخرين، فقد استمرت الصحف بالتدفق بعدها، مما يفتح الباب على تساؤلات كثيرة حول إمكانية استمرار هذه الصحف الجديدة التي لم يمض على صدور أقدمها أكثر من سنتين، والى متى ستصمد من دون «الوقود الصحافي وهو الإعلان».

. وهل ستتسع المساحة الجغرافية والعدد السكاني في دولة الكويت لكل هذا العدد من الصحف.. وهل ستتحمل التيارات السياسية خسارات مالية إلى جانب الخسارات الإيديولوجية التي تمنى بها جماهيريا هذه الأيام؟!

رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» النائب في مجلس الأمة محمد جاسم الصقر، يرى في حوار أجرته معه صحيفة «الرأي» الكويتية تناولت فيه جزءا من هذا الموضوع بأن: «البقاء للأصلح والقارئ هو من يقرر من يبقى ومن عليه أن يراجع حساباته ويترك هذا المجال».

ويضيف الصقر الذي تمتلك عائلته أيضا حصة من صحيفة القبس: «منذ تعديل القانون والسماح بفتح صحف جديدة والبلد تشهد بين فترة وأخرى إصدار صحف جديدة بعضها يستقبله القراء بحفاوة ودعم والبعض الآخر مازال في مكانه دون تقدم وصاحب القرار هو القارئ .

وان كانت هناك بعض المجاميع السياسية أو الاقتصادية تحارب صحيفة أو بعض الصحف لإسكاته، لأنها لم تتعود أن ينقدها احد فإنها لم تنجح لأن الطريق الصحيح هو الحوار وعرض الأفكار وليس الحصار الذي سيفكه القارئ المتطلع لتنوع الآراء ومنع الاحتكار»..

حتى وان كان بعض القراء في الكويت لم يسمعوا بعد بالصحف الجديدة، إلا أن هذا لا يقلل من مكانتها كرافد أساسي من روافد الديمقراطية التي تفيض بها مؤسسات المجتمع المدني في الكويت.

عدنان فرزات