بريقه يخطف الأبصار، تجمع نساء العالم على عشقه والسعي وراءه أينما كان، فهو الجمال والثروة والنفوذ والقوة.

إن الأمان في مستقبل لم تتضح ملامحه بعد، إنه الذهب. رحلته مع الإنسان رحلة مشاركة منذ أبعد الأزمان، تغنى به الشعراء، وأهداه العشاق لمن يعشق، طوعه الصناع فكانت مشغولات في رقة «الدانتيللا»، طوق أعناق النساء في العالم كله. انه ببساطة منظومة عشق وجمال وأمان وعلاج.. إنه الذهب. عندما يتمسك أحدهم بمسبحة يدوية حباتها من المذهب والمرجان وفيروز الشطآن، أو يخرج من جيبه ولاعة من الذهب الخالص تحمل أول حرفين من اسم بلون تدرجات الذهب المختلفة، ليشعل سيجار »كوبي« الصنع غالي الثمن نادر في الأسواق، أو ليشعل به سيجارة بنفس لون فستان لسيدة مجتمع جمالها وأناقتها تسبقها، أما حليها الذهبية فهي حكاية تحكى، بها تخطف الأبصار، ومعها يكون مستقبلها أكثر أمناً وأماناً، وقبل ذلك كله يدفع فاتورة العشق ومنظومة الذهب زوج لا يعرف كلمة اعتراض واحدة، فهو طيع كالذهب في يد الصانع عندما يصهره.

معاً نلقي الضوء على حكايات الذهب على امتداد العالم، فإنها جميعها حكايات عيار 24.بعد الصرخة العفوية الأولى التي تطلقها المولودة بعد مغادرتها لرحم الأم، تثقب أذنيها لتشهد أول مظهر للتجميل في حياتها، وهو وضع قرط ذهبي عادة ما يكون على شكل «حمصة» ذهبية أو «طارة» تنتهي بفص فيروزي.وهي عادات شرقية تضرب في عمق التاريخ الاجتماعي، أما الصبي فتجمل ملابسه بآية الكرسي الذهبية خوفاً عليه وعلى أسرته من الحسد، وماذا عن الأم التي شهدت أوقاتاً عصيبة أثناء الوضع، قديماً كانت الأمهات قانعات ببعض وجبات من الدجاج وحسائه المغذي حتى يقدرن على الأرضاع وتعويضاً عن التعب، وأحيانا سلسلة ذهبية تعكس نسبة ثراء الزوج وحبه لزوجته، أو كردان فلاحي يهدي للزوجة في ريف وصعيد مصر.

والآن، لا ترضى الزوجة إلا بحفنة من الذهب على أرقى مستوى من الصياغة، ولا مانع من بعض فصوص الماس المعروفة بالفرنسية باسم «بلون بلوي» وهي أرقى أنواع الماس.وربما كانت حكايات الذهب الأولى شهدها نهر النيل في مصر القديمة حيث كان صناع الذهب من الفراعنة، يعرضون نتاج صناعتهم على ضفتي النيل لتتبارك ويزول الحسد منها، هكذا كان اعتقادهم، والذهب عند الفراعنة هو الجاه والسلطة والقوة والتفرد والحاضر والمستقبل، وقد اشتهر الفراعنة بصناعة أول سبائك من الذهب، بالإضافة إلى مزجه مع المعادن الأخرى للحصول على درجة صلابة عالية جداً وعلى درجات لونية لم يعرفه وقتذاك سوى الفراعنة صناع التاريخ والذهب وعجائب الدنيا السبع التي تمثلت في الأهرامات.ولأنه المستقبل ولأن المصاحب للإنسان في رحلته عبر الزمان والمكان ومعه ينتقل من الحركة للسكون وهي نظرية الموت لدى الفراعنة، كان يدفن كميات هائلة من الذهب في شكل سبائك ومشغولات مع الفرعون المتوفى.

وقد تم دفن ألف رطل وخمسمئة رطل من الذهب الخالص مع الملك خوفو أول ملوك الفراعنة، أما الفرعون الشاب توت غنج آمون الذي توفي شاباً وما زالت أسباب وفاته تهم العالم كله والبحث ما زال جارياً في مصر وكل العواصم المهمة بتاريخ الفراعنة، دفن معه قرابة ألف رطل وسبعمئة رطل من الذهب داخل تجويف مقبرة مبطنة بالذهب الخالص، ويعرض المتحف المصري بالقاهرة ـ ضمن كل معروضاته الفرعونية النادرة ـ جسمان الملك الشاب توت غنج آمون بقناع ذهبي يعتبر الأندر والأفخم من تاريخ البشرية.وذلك لكميات الذهب المستخدمة في صناعته، وعبقرية صنعه ودقة الصنعة على أيادٍ فرعونية لم يهمسوا بسر من أسرارهم فكانوا الأسطورة والحقيقة معاً واللغز الذي حيّر العالم كله.

وفي الريف المصري والريف الدمشقي وأيضا في المغرب العربي، للذهب حضور متميز، فلابد من تقديم الذهب في الأفراح والمناسبات، وكلما زاد الذهب كان دليلاً على الحب والوفاء.

وكان وقت الحصاد في ريف مصر مناسبة ليقدم الباشا الإقطاعي لأهل بيته وأيضا لبيت العمدة وناظر الزراعة الذهب والمجوهرات.

علاقة حميمية إنسانية رائعة تربط فيما بين الإنسان وذلك المعدن النفيس بكل تدرجاته اللونية من الأصفر اللامع والأصفر المصنفر الأقل لمعانا والأصفر المائل للحمرة والأبيض، هذه العلاقة ارتبطت بشكل إنساني رائع في مواقف كثيرة، فإذا رحل إنسان في سفر بعيد يشتري قبل سفره قطعتين من الذهب المصاغ بحرفيه عالية يكتب على إحداهما »لا إله إلا الله« وعلى الآخر »محمد رسول الله«، يأخذ المسافر واحدة منهما ويترك الأخرى لوالدته أو زوجته أو أولاده، حتى يتم التلاقي على خير فيما بينه وبينهم جميعاً.

والحروب برغم مظهرها وجوهرها الشرس، نجد الرجال من المحاربين يحتفظون بسلسلة ذهبية ومعهم وصية تنص على إعادتها لأهلهم وذويهم في حالة وفاة المحارب، فيعود بها أحد زملائه، فتختلط الدموع مع فرحة الاستشهاد فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

والذهب معدن نفيس رفيع المقام غالي الثمن، وربما من هنا يوصف به الأناس الذين يتصفون بأفضل السلوكيات فيقال على سبيل المدح »فلان.. معدنه ذهب«، وفي مقام المديح أيضا يقال »فلان هذا.. يافت«؟

وكلمة »يافت« هذه كلمة تركية الأصل معناها النقاء وعدم وجود أي عيوب، وهي كلمة ما زالت تستخدم على الصعيد الاجتماعي وصعيد مهنة الذهب في مصر، وأكثر الناس استخدامها قديماً، كانت »الخاطبة« التي تشكر في العريس أو العروسة لأهل كل منهما.. ولكن الآن اندثرت مهنة الخاطبة، وحل محلها »خاطبة أون لاين«..!

أو هناك قنوات فضائية تقوم بالمهمة ذاتها وأسماء هذه القنوات معروفة، ولكنها لا تستخدم »يافت«، ولا »المعدن الذهب«، فهي كلمات التصقت بالعبد الإنساني لزمن جميل كان الإنسان والذهب فيه »وجهان لعملة واحدة« أما اليوم فالوجوه »اليافت« اندثرت، وحل مكانها أقنعه تتلون وتتغير. فنحن في زمن المتغيرات غير »اليافته«!

وما زالت رحلتنا الإنسانية مع الذهب متصلة، فهي حكاية لا نهاية لها، فالذهب معدن يبقى كسيرة الإنسان »الحلوة« التي يتركها من ورائه يوم رحيله.

وقد ابتكر الإنسان الخط العربي الأصيل، وهو فن يدرس في كليات ومعاهد الفنون الجميلة في مصر، ويرتبط فن التذهيب في الكتابة العربية بالحضارة الإسلامية، فهناك صلة وثيقة في كتابة المصاحف النادرة بماء الذهب وخاصة الغلاف بصفة خاصة، وأيضا كتابة اللوحات التي تعكس الآيات القرآنية الكريمة بالذهب الخالص، وتوضع داخلي إطار من الذهب محفور يدوياً يعكس في أحيان كثيرة أسماء الله الحسني.

ويظهر فن تذهيب الخط العربي بوضوح في المخطوطات العربية القديمة التي تعتبر من نقائس التراث العربي والتركي والفارسي. وكل ذلك كان يتم يدوياً وبأعلى مستوى حرفي ولكن الآن وبعد ظهور المطابع اندثر إلى حد كبير فن الخط العربي المذهب، ولكن ما زال يدرس في كليات الفنون والورش المتبقية.

ـ وهي قلة ـ في منطقة خان الخليلي وسيدنا الحسين بمصر، حيث يقدم الصانع أغلفة مذهبة ومطعمة بالفضة لحفظ المصحف الشريف، وهي من الهدايا القيمة غالية القيمة والمثمن.

وفي تركيا ـ مثل مصر ـ مازالت هناك جهود مستمرة حتى لا يندثر الخط العربي المذهب، فقد تم فتح قسم خاص بجامعة »مرمرة« بتركيا لتعليم الخط العربي وكيفية استخدام الذهب فيه وكيفية تطعيمه بالفضة الخالصة أيضا، والجميل إن الكثيرين من الشباب العربي يقبل على هذه النوعية من التعليم في مصر وتركيا وكأن الأصيل والنفيس لا يقبل الاندثار والانزواء في الظل.

وعودة لتاريخ جميل خالد، نجد إن الرسام العالمي مايكل أنجلو استخدم الذهب والفضة في رسوماته الخالدة. وكأنه يعلم بأن كل نفيس يشق طريقه الدائم للبقاء.

ولأن الجمال باقٍ بقاء الزمن، يتجسد ذلك في عمارة المساجد العريقة في العواصم الكبرى والعريقة أيضا كالقاهرة واسطنبول ودمشق وبومباي وغيرها الكثير، فنجد أسقف وجدران المساجد فيها معشقة بالذهب وسط الحجارة المنقوشة يدوياً، وأشهر هذه المساجد في مصر مسجد بن طولون.

والمساجد التي شيدت في عصر الفاطميين والمماليك والإخشيد، ويبرز الزجاج المكون المعشق بخيوط الذهب والفضة عراقة البناء وذوق متفرد ينطق جمالاً وثراء وأيضا الدفء لبيوت يرفع فيها، لأذان وتقام فيها الصلوات وكأن المكان والإنسان يتحدان في العبادة وهو ما يسمى بالطاقة (الأورا).

والبعد الإنساني والذهب ـ كما أوضحت ـ وجهات لعملة واحدة، ربما من هنا تعكس دبلة الزواج الذهبية هذا المعنى، لأن الذهب يدوم ويدوم، الأمر الذي يتمناه كل عروسين بدوام زواجهما، ويقال أيضا في بعض الأساطير الإغريقية ان دبلة الزواج المستديرة ترمز لعدم الانتهاء، فالدائرة لا نهاية لها، وهو أيضا ما يتمناه المتزوجون أن تدوم حياة الزوجين معاً إلى الأبد، وربما فيما بعد ذلك على أن يلتقيان في جنة الخلد.

وللذهب استخدامات متعددة لا صلة لها بالزينة أو الثراء أو الفخامة منها على سبيل المثال لا الحصر، أول عملة ذهبية في العالم تم صنعها قديماً في مملكة »ليديا« بآسيا الصغرى ولم يتم تداولها وقت ذلك دوليا وكان ذلك في 560 قبل الميلاد، وفي العام 1100 ميلادي كانت أول بورصة للذهب في مدينة البندقية لموقعها في منتصف طريق التجارة للشرق.

وفي العام 1900 اعتمدت أميركا قاعدة الذهب لعملتها، أما في سنة 2000 استخدم الفلكيون في مرصد »هاواي« العملاق والعالمي المرايا الضخمة المطلية بالذهب للمرصد ذي التلسكوبيين، وذلك من أجل رصد أدق الصور من كوكب نبتون وأورانوس.

ويعتبر الذهب من أكثر المعادن عاكسة للحرارة، حيث انه يعكس أكثر من 99% من الأشعة الواقعة عليه.

ولأن الجمال دائما يفرض حضوره والحديث عنه، فتعتبر منطقة الخليج من الدول المحبة نساؤها للذهب، فتعكس منطقة الخليج الوجه الحضاري والإبداعي للحي الذهبية، فهي تصنع وتستورد وتصدر الذهب في أشكاله العريقة والحديث .

وقد تميزت المنطقة الخليجية منذ القدم بتفرد مسمياتها للذهب، أشهرها على سبيل المثال »حلى الجيد« (للصدر والعنق) و»المرتعشة« وهي قلائد ذات مربعات »صغيرة« سريعة الحركة مرنة، في نهايتها حبات من اللؤلؤ، و»المخانق« عبارة عن سلاسل مجدولة تحيط بأعلى العنق، والقلادة تشبه إلى حد كبير الكروان المصري.

وذكر الذهب واللؤلؤ كثيراً في أشعار العرب، تقول بنت عتبه بن ربيعة:

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

الدّر في المخانق

والمسك في المفارق

ومن الوصايا العشر في العصر الحديث، أن توصي الأم ابنتها حديثة الزواج بأن تؤمن مستقبلها عن طريق اقتناء الذهب والحجار الكريمة والماس، وكأن المستقبل كله يرتكز على مثل هذه الأشياء التي تخطف الأبصار، ويعشقها الوجدان وتتحسر عليها القلوب عند بيعها في عرف بعض النسوة.

وماذا عن العلاج بالذهب؟

إنه ليس بالحديث، فقد كان الفراعنة يضعون رقائق الذهب الدافئة على أماكن ومواطن الألم، فتشفى ويزول الوجع وذلك لخصائص وأسرار يتم كشفها حتى الآن فقد دفنت كل أسرار القدماء المصريين معهم. ولكن الصينيون القدامى والمحدثين أيضا كانوا يعالجون بعض الأمراض وقصور وظائف الكلى والكبد بصفة خاصة بإذابة برادة أو مسحوق الذهب بنسب ضئيلة جداً في محاليل خاصة يشربها المريض فيشفى بعد حين وكانوا يسمون هذا العلاج »جلسات الذهب«.

وماذا عن العصر الحديث؟

يقول الدكتور ريتشارد هوليداي رئيس وحدة العلاج بالذهب في جامعة آلباما الأميركية، بأن العلاج بمسحوق الذهب بتكنيك معين يشفي من السكري والكسل الكبدي والكبدي الوبائي، ويخفف آلام المفاصل ويعالج الروماتويد وبعض آلام فقرات العمود الفقري وعلاج تضخم البروستاتا وعلاج بعض أنواع السرطان.

ويؤكد فريق الأطباء بجمعية «سيت إيميون» بأن استخدام الذهب بمقادير معينة مدروسة وباستخدام تكنيك طبي خاص يعالج قصور الجهاز المناعي، الأمر الذي يقي الإنسان العديد من الأمراض وخاصة الخبيثة منها.

وتوج الطبيب المصري د. مصطفى السيد استخدامات الذهب في علاج الخلايا السرطانية، مستخدماً مع فريق البحث التابع له تكنيكات طبية معقدة، تم عن طريقها شفاء العديد من أنواع السرطان في مراحل التجارب الأخيرة على حيوانات التجارب، وجنح للعالم بأبحاث واعدة خلال الخمس سنوات القادمة لشفاء الإنسان من السرطان.

وقد نال دكتور مصطفى السيد أرفع وسام للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية عن نجاح أبحاثه. فالذهب.. يظل دائما المعدن النفيس الواعد بكل الثراء وتأمين الغد.. وأمل الملايين في الشفاء ويستحق بحق أن يخطف الأبصار دائماً، وأن يكون له المزيد من البريق والحضور في كل دوائر الضوء.

أسماء الذهب

هناك أشهر عشرة أشكال للفنون والكتابة التركية التي تستخدم الذهب في الزخرفة، انتشرت في العالم الإسلامي كله بنفس الأسماء التركية القديمة، من أهمها: »يا براق« وهو رسم يأخذ شكل ورقة الشجر بكل أحجامها وأشكالها ونجدها في المساجد التركية القديمة منحوتة بالذهب.

خطائي: وهو اسم تركي يعكس أشكال حلزونية يرجع أصل نحته لمنطقة »هرات« التركية.

الرومي: اسم تركي أيضا، يعبر عن أشكال الحيوانات التي كانت لها أهمية في تاريخ الأتراك كالخيول في آسيا الوسطى وبعد انتقالهم لنهضة الأناضول، وهي حيوانات نحتت على جدران العمائر بالذهب والفضة.

منى مدكور