«عليك أن تدرس وتتعلم لتكوّن رأيك الخاص بشأن التاريخ وكل شيء من حولك، لكنك لن تستطيع ذلك بعقل فارغ. املأ عقلك وخزن فيه، إنه ثروتك التي لا يستطيع أي كان في العالم سلبك إياها أو التدخل فيها»، هذا القول مقتطف من رواية للكاتب الأميركي الأيرلندي الأصل فرانك ماكورت، الذي حقق نجاحا باهرا في عالم الأدب وحاز على العديد من الجوائز الأدبية العالمية.
حقق فرانك ماكورت الذي ولد في بروكلين نيويورك في 19 أغسطس عام 1930، شهرته تلك بعد نشره لروايته الأولى «رماد أنجيلا» عام 1996 حينما كان في أواخر الثلاثينات من عمره. كان قبل ذلك قد عمل كمدرس لمدة ثمانية وعشرين عاما، الخمسة عشر الأخيرة منها في تدريس اللغة الانجليزية والكتابة الإبداعية لمرحلة الثانوية في مانهاتن حيث تميز بشعبيته بين التلاميذ وبقدرته على زرع حب الأدب في نفوسهم.أما المرحلة التي سبقت التدريس وحصوله على درجة الماجستير في اللغة الانجليزية، فكانت رحلة حياة شاقة بدأت منذ ولادته في أميركا وعودته إلى أيرلندا حينما كان في الرابعة من عمره حيث عانت العائلة شظف العيش مجددا، ليغادرها في التاسعة عشر عائدا إلى موطن ولادته.
حيث انتقل بين العديد من المهن المتواضعة حتى جند في الحرب الكورية وخدم في ألمانيا الغربية. استطاع بعد إنهاء خدمته العسكرية من إقناع كلية بيل بقبوله كطالب جامعي على الرغم من عدم حصوله على الثانوية العامة، وساعده في هذا الجانب قراءاته المستمرة.
وعن رحلته مع الكتابة والإبداع، التي بدأت بعد تقاعده من التدريس، فكانت مع روايته الأولى السابق ذكرها والتي يمكن للقارئ من خلالها التعرف على المرحلة الأولى من حياته. ونال عن تلك الرواية عدة جوائز منها جائزة بوليتزر عام 1997.
وفي عام 1999 نشر كتابه الثاني «نعم» ويرصد فيه المرحلة التي عاشها في الولايات المتحدة، ثم نشر كتابه «الرجل المدرّس» عام 2005 ويرصد فيه التحديات التي واجهها كمدرس شاب غير واثق من مقدرته على نقل المعرفة إلى طلابه، وآخر عمل نشر له كان «أنجيلا والمسيح الطفل» عام 2007، علما أن جميع أعماله حققت نجاحا موازيا لعمله الأول.
يتناول ماكورت في روايته «رماد أنجيلا» التي حولت إلى فيلم سينمائي ناجح عام 1999، والتي بيع منها أربعة ملايين نسخة ونشرت في 27 بلد وترجمت إلى 17 لغة، عدة محاور أهمها الفقر المدقع وعواقب إدمان الكحول والصراع الديني. والراوي هو البطل الطفل فرانك، واعتمد في سرد الأحداث على الفعل المضارع باستثناء الفصل الأول، مما ساهم في نقل صورة حية لانطباعات وتجارب فرانك.
وما عزز تلك الحيوية استخدامه للألفاظ العامية المتداولة آنذاك في حي ليمبرك الأيرلندي في الثلاثينات من القرن العشرين، وبأسلوب ساخر أبعد ثقل الكآبة عن الأحداث التراجيدية، سواء من خلال المفارقات أو في محاولة فهم فرانكي للعالم وما يجري فيه.
تبدأ أحداث الرواية من حي بروكلين في نيويورك حينما كانت تعاني أميركا من ركود اقتصادي في الثلاثينات، وذلك بعد وفاة أخت فرانكي الصغرى وعطالة الوالد مالاشي ماكورت، مما دفع هذه العائلة الأيرلندية الأصل إلى العودة إلى موطنها الأم بعد وصول دعم مالي من والدة أنجيلا، ولتستقر العائلة في ليميرك جنوب غرب أيرلندا.
عاشت الأسرة في البداية على مساعدات الأهل ومن ثم على معونة الحكومة، قبل أن يستقر بها الحال في إحدى الغرف المفروشة في العاصمة دبلن لتوفر فرص أكبر للعمل. كانت معاناة الأسرة من إدمان الوالد على الكحول مستمرة، فبعدما استطاعت أنجيلا أن تقبض المعونة بنفسها التي كان يصرفها مالاشي على الكحول، كان مالاشي يتنقل من عمل إلى آخر مع صرفه لكل أجر يحصل عليه.
كان فرانكي يروي تلك الأحداث بفكره الطفولي من خلال طلب والدته منه البحث عن أبيه في الخمارات يوم استلامه لأجره. وتأزمت الحال بعد وفاة أحد التوأمين اللذين أنجبتهما أنجيلا بعد عودتها ليلحقه الآخر به بعد مضي ستة أشهر. ويروي فرانكي أنه مع كل وفاة كانت العائلة تنتقل إلى سكن جديد هربا من آلام الذكريات، حتى استقر بهم المطاف في بيت مستقل.
ومع دخول فرانكي وأخيه مالاشي الأصغر المدرسة، فتح أمامه عالما جديدا حافلا بالاكتشافات والمغامرات والصراعات أيضا. كانت البداية من خلال سخرية الطلبة منهم كأميركان ثم تنمر عدد من الأولاد عليهما إلى جانب قسوة وضرب الأساتذة بلا رحمة، مع بعض الصداقات التي كونها فرانكي بعد حين والتي كشفت له عن عائلات أشد فقرا وجوعا، إلى جانب نبذ الأطفال المنتمين إلى البروتستانية.
أظهر فرانك تعاطفا وتفهما، ومع دخوله المشفى لإصابته بالتيفوئيد بدأت علاقته بالكتب، التي شكلت نواة حبه للمعرفة وطموحه إلى الخروج من دائرة الفقر عبر السفر إلى أميركا، ولتحقيق حلمه بدأ بالعمل. ومع رحيل الأب إلى انجلترا مع بداية الحرب العالمية الأولى، تدهور وضع الأسرة مما دفع فرانك إلى ترك الدراسة في الثالثة عشر من عمره والالتحاق بعمل يومي يتمثل بنقل البرقيات إلى أصحابها.
عمل بعد ذلك في توزيع إحدى الصحف لمدير بروتستانتي ولم يكن يتردد في كسب المزيد من المال كلما أتيحت له الفرصة، كما ساعد سيدة مرابية في كتابة رسائلها إلى دائنيها، مع حرصه على إخفاء أمر ما يدخره من مال إضافي لرحلته عن والدته.
ومع مضي الأيام، يتحسن وضع الأسرة التي عاشت أخيرا في بيت شقيق أنجيلا التي وجدت لنفسها عملا أيضا. وتتاح لفرانكي الذي بلغ التاسعة عشر الفرصة لاستكمال المبلغ القليل المتبقي لتكاليف الرحلة، حينما تموت المرابية بصورة مفاجئة بعدما كلفته بمهمة خارجية. وعندما يكتشف موتها لا يتردد في سرقة المال اللازم لرحلته إلى جانب دفترها الخاص بسجلات الدائنين ليرحمهم منها. وهكذا حقق حلمه أخيرا في السفر إلى أميركا، ليبدأ حياة جديدة وكتابا آخر.

