قادتنا جمعية التصوير الضوئي في الشارقة إلى محمود الصوان، وهو رجل اكتظت ذاكرته باثنين وثمانين عاماً وعاصر أجيالاً مختلفة من الحكّام وكان أحد الشهود على نشوء دولة الإمارات واتحادها واستقلالها، فقد كان سكرتيراً في مجلس حكام الإمارات المتصالحة قبل الاتحاد، ولأنه لم يكن رجل سياسة فقد استهواه التصوير الفوتوغرافي من الخمسينات، فكان قريباً من تحولات الدولة وهي تنمو وتنشأ وقريباً من الحكّام «وكان له مدخل لكل مكان ولكل شيء» كما يقول فوثّق الكثير من نشاطات الحكام والمناسبات الوطنية والحياة اليومية مع انه لم يكن مصوراً محترفاً.
(لا أستطيع أن أتحدث عن تاريخ التصوير في الإمارات لأنه تاريخ قديم ولم يكن هناك مصورون كثيرون لكني مازلت أذكر المصور «رودريكس» في دبي وهو الذي طلب مني أن أعلمه كيفية تحميض الأفلام الملونة التي أجيدها من عام 1957 وكانت دبي تستهويني بشكل مذهل لذا كانت الكاميرا على كتفي أينما ذهبت.. وهناك مصور من أصل باكستاني هو نور علي راشد الذي وثق الكثير من المناسبات الوطنية والاجتماعية)
لم تكن الكاميرات شائعة في ذلك الوقت بسبب ندرتها. ولم يكن الأهالي مقبلون على اقتنائها بسبب بساطة الحياة لكن محمود الصوان كان يستخدم كاميرا كانون من نوع F2 بأفلامها 35 مليمتر، لكن هذه الكاميرا انقرضت لصناعة أجيال جديدة منها تفوقت عليها في التقنيات في مراحل لاحقة ثم في وقت آخر استخدمت كاميرا اسمها ماميا فليكس اليابانية ؛ وقتها كان التحميض يدوياً وإن وصلتنا فيما بعد بعض المعدات الحديثة كعلبة التحميض وهذا كان يعد شيئاً متطوراً في ذلك الوقت سهّل من عملنا كثيراً. أما المواد فكنت أجلبها من شركة كوداك البريطانية ومن شركة ICI أما ورق التصوير فكان يأتي استيراداً من أمريكا محفوظاً بالثلج الجاف.
قد لا تسعفه الذاكرة كثيراً ؛ لذلك فالصوان ليست لديه فكرة عن «العكّاس» القديم ولم يوثق مرحلته المبكرة في التصوير: ( الناس ما كانوا مهتمين بالتصوير كثيراً في تلك السنوات إلا إذا احتاجوا لجواز سفر أو بعض المعاملات الرسمية.. وعلى فكرة، أنا اعتقد أن كلمة عكاس هي إيرانية الأصل ولا أدري لماذا هذا الشك باق عندي إلى اليوم..)
يعتز محمود الصوان كثيراً بصوره القديمة، لاسيما صور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فهي الأثيرة إلى قلبه، كونها رصدت مناسبات مختلفة، ومع أن الرجل لم يكن محترف تصوير، إذ إن معظم اهتماماته على إجراء التجارب على أنواع التحميض على أفلام النيجاتيف وفيرانا كلر الإيطالية، إلا أنه كان يحمل كاميرته ويصور الأحداث والمناسبات، بسبب قربه من حلقات الحكام وأصحاب الرأي والقرار. وفي مكتبه كانت الصور القديمة تملأ الجدران، فهذه صور الخمسينات وهذه صور الستينات، مناسبات كثيرة يظهر فيها شيوخ الإمارات في دبي والشارقة وأبوظبي والفجيرة، كما تظهر بعض شوارع الإمارات القديمة وهي خالية من بناء اليوم الشامخ. سيارات قديمة أصبحت من ذكريات الماضي وخور دبي في فضاءاته الأولى العارية قبل أن تنبت على ضفتيه العمارات والبراج.
محمود الصوان ذاكرة مثقلة بالماضي والحاضر لديه كتاب عن إمارات الأمس موثق بالصور الأصلية يحكي قصة الإمارات قبل الاتحاد وبعد الاتحاد كأحد الشهود الذين عاصروا، لكنه لم يجد طريقه إلى الطبع حتى اللحظة وهو بعنوان «عقد اللؤلؤ» (الدائرة الثقافية في الشارقة اعترضت على عنوان الكتاب فسحبته ولم يطبع إلى اليوم..أولادي سيتولون أمره بعد وفاتي)! هكذا يقول الصوان مستغرباً! مع أن العنوان رامز إلى عقد الإمارات السبع باللؤلؤ واللؤلؤ كان مفتاح البداية في قصة الأمس.
وارد بدر السالم