أذكر استغرابي والرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان يزيح الستار عن تمثال للأديب المهجري اللبناني جبران خليل جبران ويلقي خطاباً بهذه المناسبة واصفاً جبران بالأديب والفنان الأميركي.

والغرابة ليست في مقولة ريغان، وهو يعتز بجبران الذي كان قد عاش في أميركا وحصل على جنسيتها، إنما فينا نحن الذين نادراً ما نذكر جبران، أو نحتفي به وبجيله من شعراء وأدباء المهجر. أو حتى مبادرتنا بإيقاف هذا النزيف الذي ما زال مستمراً بهجرة عقولنا ومبدعينا، لا بحثاً عن الخبز بقدر الطموح في الأمان والأمن والحرية.

جبران خليل جبران.. ربما مرّ على بعضنا، أو قرأنا واحداً من كتبه، إلا اننا قد لا نعلم أنه من الرسامين المبدعين وقد كشف عن إبداعه وهو ابن الخامسة عشرة من العمر.

سيرة حياة جبران قصة تراجيدية، رافقت حياته منذ ولادته في السادس من ديسمبر عام 1883م في السنوات الأولى من حياته عاش مدللاً، وقد خضع لدراسة اللغة العربية والسريانية في مدرسة الخوري جرمانوس في بشري بلبنان. ما إن بلغ الصبي جبران الثامنة من عمره حتى سُجن أبوه بتهمة ملفقة وصادرت السلطات العثمانية كل أملاك والده بما في ذلك القصر الذي كانت تسكن به العائلة.

في التاسعة من عمره تعرَّض لحادث ترك له عاهة في يده اليمنى. جثم الفقر على عائلته حتى بعد خروج والده من السجن وهو في الحادية عشرة من عمره، واضطر الأب أن يهاجر وعائلته إلى العالم الجديد بحثاً عن خبز لهم ووطن يحترم إنسانيتهم. وكان ذلك عام 1895 وجبران في الثانية عشرة. وسرعان ما دخل المدرسة في منطقة أولفر بليس حتى اكتشفت مدرِّسته موهبته كرسام، وبدأت أمه تبيع ما تنسجه، أخوه وأختاه يعملون في دكان صغير.

جين فريمنت بل، المعلمة التي اهتمت بجبران كمبدع وأوصلته إلى أهم شعراء أميركا حينذاك فرد هولندراي الذي كان يعيش في بوسطن والذي أحب الروح الشرقية، وتولى رعاية جبران وتعليمه، وشجعه على رسم أغلفة الكتب التي أصبحت مدخلاً لشهرته لاحقاً.

يعود إلى لبنان عام 1898 ليواصل تعليمه بالعربية، ويعود إلى أميركا عام 1901 ليفاجأ بالموت الذي حصد أخته سلطانة، وأخاه بطرس ووالدته في عام واحد تقريباً، وليبدأ جبران تكثيف رسوماته، وتفتح له جريدة «المهاجر» لصاحبها أمين الغريب، زاوية نصف أسبوعية ليبدأ مسيرة الكتابة مع دمعة وابتسامة لقاء دولارين في الأسبوع، ومن هنا بدأت رحلة الكتابة متممة ومتوازية مع رحلة التشكيل.

abdulelah_q@hotmail.com