كتاب «بداية عالم جديد» لمؤلفه جان كلود غييبو هو عنوان مرحلة جديدة من صياغة «عالم جديد» على أنقاض «العالم القديم»، ويؤكد أن مرحلة من «المخاض» والقلق رافقت «بروز» العالم الجديد وبالتالي «اختفاء» العالم القديم «العالم الذي وُلدنا فيه»، كما يقول. ولا يتردد في أن يضيف قوله ان العالم «الجديد» الذي يولد تحت أنظارنا يحمل في طياته الكثير من مصادر التهديد ولكن أيضا الكثير من الوعود.
وما تؤكده التحليلات المقدّمة هو أن مرحلة تاريخية طويلة تكتمل اليوم وتضع قبل كل شيء حدا لهيمنة الغرب. ويرى جان كلود غييبو أن هناك نمطين من «سوء الفهم» يمنعان إعطاء المنعطف الذي يشهده العالم ما يستحقه من اهتمام وما يعنيه من تبدّل. سوء الفهم الأول يحدده بالإعلان عن «صدام الحضارات»، هذا في الوقت أن ما يجري في الواقع ليس «صداما» للحضارات وإنما بالأحرى هو «لقاء تدريجي». وسوء الفهم الثاني مصدره ما يتم التعبير عنه من قلق بسبب تزايد خطورة الخلافات بين الشعوب بينما أن التأثير المتبادل بين الشعوب المعنية لم يكن في أي يوم من الأيام أقوى مما هو عليه في الحقبة الحاضرة.
ويرى جان كلود غييبو أنه لا ينبغي أبدا الخوف من «الصعود» الذي تشهده الصين أو الهند أو إيران أو تركيا. فهذه التجارب كلها يرى بها نوعا من الإعلان عن «حداثة متعددة المشارب». ولا يتردد في اعتبار أنه من الهام جدا «طرح الأسئلة الكبرى على عصرنا». ويرفض بشكل قاطع مقولة وضع الإسلام في مواجهة الغرب فالحقبة ليست حقبة «صدام الحضارات»، حسب أطروحة هنتنغتون الشهيرة.
ويتم التأكيد في هذا السياق إلى أنه مهما بدت أطروحة هنتنغتون «غبيّة» يطرحها مقولة ان النزاعات الراهنة هي ذات طابع حضاري وليس إيديولوجي، فإنها أي الأطروحة لا تزال تحتفظ بحيويتها حتى الآن ولا تزال تشكل جزءا من الخطاب السائد في وسائل الإعلام ولدى رجال السياسة. ويضرب على ذلك مثال من يسميهم ب«المحافظين الفرنسيين الجدد» ويعتبر أهم رمزين ممثلين في الفيلسوفين«اندريه غلوكسمان»، أحد قادة ثورة الطلبة في فرنسا خلال شهر مايو 1968، وباسكال بروكيز. هذان الفيلسوفان كانا قد أيّدا الحرب الأميركية على العراق. ويؤكد أنه عندما يتعلق الأمر بالإرهاب أو بالإسلام يغدو منطقهما شبيها إلى حد كبير بمنطق هنتنغتون.
كذلك تتم الإشارة في هذا السياق إلى ما أسماه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين ب«النزعة الغربية» ويقصد بذلك تيارا فكريا سائدا يقول أنصاره أن الغربيين «متحضّرون» وأنهم رعاة مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية ولذلك تستهدفهم الأصوليات المتنوعة التي لا تقبل بهذه المبادئ. ويناقش جان كلود غييبو مقولة «الحرب ضد الإرهاب» والمنبثقة عمليا من مفهوم «صدام الحضارات».
وما يؤكده المؤلف هو أن «الإرهاب أمر مشين بالطبع وتنبغي محاربته، ولكن إذا تمّ النظر إلى عدد الضحايا فإنه يمثل ما بين 800 إلى 900 ضحية كل عام، أي ما يعادل ضحايا ليلة واحدة من القصف على لندن أثناء الحرب العالمية الثانية».
ويتساءل كلود غييبو في مكان آخر: «لماذا لا يقول أحد ان عدد النساء في الجامعات تضاعف أربع مرّات مما كان عليه في زمن الشاه»؟ جان كلود غييبو في هذا كله لا يدافع عن أية إيديولوجية سياسية، ولكن عن «ثقافة متعددة المشارب» تنبثق في «عالم جديد».
المؤلف في سطور
جان كلود غييبو صحافي وناشر وكاتب. قدّم العديد من الكتب، وكان قد شرع منذ عام 1995 بنشر سلسلة من الأعمال حول موضوع «القلق المعاصر»، وهكذا قدّم «كيف أصبحت مسيحيا»؟ و«خيانة عصور التنوير» و«إعادة تأسيس العالم» و«قوة القناعة». هذه الكتب كلها نالت العديد من الجوائز المحلية والعالمية.
الكتاب: بداية عالم جديد نحو حداثة متعددة المشارب
تأليف: جان كلود غييبو
الناشر: سويل - باريس 2008
الصفحات: 390 صفحة
القطع: المتوسط
Le commencement d?un monde : vers une modernité métisse
Jean-Claude Guillebaud
Seuil - Paris 2008
390 P
