يبدأ المؤلف اندرو ج. باسيفيتش كتابه « حدود القوة » بالتأكيد على مقولة أولوية مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية لم تنعم بعد نهاية الحرب الباردة بـ «السلام» الذي كانت تنشده. بل على العكس من ذلك وجدت هذه القوة «المنتصرة» نفسها في مواجهة حالة من الارتباك ومن الصراعات. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى حالة «السلام الطويل» أو «سلام الرعب» الذي ساد بين القوتين العظميين خلال الحرب الباردة. لكن ذلك السلام وصل إلى نهايته عام 1991 مع انهيار «الخصم التاريخي» الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي السابق.

ذلك ما أن انتهى الاستقطاب الثنائي الدولي حتى باشرت القوة العظمى الأميركية، التي غدت وحيدة في العالم، بولوج سلسلة من النزاعات لا سابق لها في تاريخها الحديث. هكذا في اللحظة التي أصبحت فيها الولايات المتحدة تتمتع بقوة عسكرية واقتصادية استثنائية، برزت من جديد طموحات إمبريالية صريحة لدى القادة الأميركيين».

هذا ما وجد ترجمته في النزاعات التي عرفتها السنوات التالية لانهيار جدار برلين. وعلى خلفية «ميزان قوى جديد» دخل الأميركيون في عمليات عسكرية في بنما وفي منطقة الخليج عبر حرب الخليج الأولى عام 1991 وفي البوسنة وهاييتي وكوسوفو وأفغانستان والسودان «من خلال عمليات قصف جوي».

منطق القوة أصاب واشنطن بحالة من «العمى» منعت، برأي المؤلف، أصحاب القرار من ترقب هجومات 11 سبتمبر 2001. ذلك أن النخبة السياسية أعطت «القليل من الانتباه» لحماية الولايات المتحدة نفسها. «لم يتم بمهمة الدفاع عن الوطن قبل 11 سبتمبر»، كما نقرأ. وكان البنتاغون عام 2001 مشغولا بالتصدي لاحتمالات تطوّر الأحداث في البلقان أو جنوب شرق آسيا أو منطقة الخليج. «إن قواتنا المسلحة المدرّبة والمجهّزة جيدا كانت مستعدة للدفاع عن سيئول أو الرياض. أما مانهاتن فقد تُركت للدفاع عن نفسها بنفسها»، حسب تعبير المؤلف أيضا.

إن أميركا منخرطة في حالة حروب مستمرة. وفهم تداعياتها يتطلب اندرو ج. باسيفيتش معرفة مصدرها الحقيقي ويرى أنها «تعكس حطام الحرية المتكدس وما أنتجه السباق المحموم وراء الحياة والحرية والسعادة»، حسب تعبيره. ويتم التأكيد أن الحرية هي «المذبح الذي يتعبّد الأميركيون فيه»، كما يقول ثم ينقل عن راعي الكنيسة رينهولد نيبور قوله: «ليس هناك من يردد نشيد الحريّة كغاية للحياة بحماس أكبر من الأميركيين».

فالحرية كما مارستها الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية تبدّلت «كميا ونوعيا». وأخذت مضمونا جديدا في سنوات الستينات حيث ينقل المؤلف عن نيبور مرجع أساسي لديه- قوله ان «ثقافة الأميركيين سادت بين الفرح والسعادة وبين السعادة والرفاهية». لكن الإمكانيات الاقتصادية الأميركية لم تعد كافية للاستجابة لطلب «الشهيات الأميركية» المتزايد.

ويحدد اندرو ج. باسيفيتش الحرب الأخيرة في العراق كأبرز مظاهر الأزمات الثلاث التي تعاني منها الولايات المتحدة اليوم. فهذه الحرب كانت دائما غير مفيدة إلا بنظر المخدوع والمرائي». وهي تدل على «حدود القوة» الأميركية. وينقل على نيبور دائما: «أحد المظاهر الأكثر مأساوية في التاريخ هو أن كل حضارة تتفاخر بقوتها وتصيغ قيمها الجزئية والكونية وتعلن خلودها في اللحظة التي تكون سيرتها نحو الزوال قد بدأت».

السلام الأميركي

بعد 11 سبتمبر كرّست إدارة بوش جهودا أكبر لتطبيق «السلام الأميركي» في العالم وطالبت وزارة الدفاع بالتركيز على تلك المهمة وعلى ذلك: «استخدام جميع الوسائل الضرورية من أجل جعل العالم الإسلامي للتأقلم مع المعايير الأميركية. وبدلا من أن تكون مقاربة الحكومة الإمبريالية للمسألة لطيفة وتوافقية أصبحت أكثر قسوة وأكثر قمعا أكثر فأكثر».

المؤلف في سطور

يعمل اندرو ج. باسيفيتش أستاذا للعلاقات الدولية والتاريخ في جامعة بوسطن. وهو مختص تحديدا بالتاريخ الدبلوماسي والعسكري للولايات المتحدة الأميركية وسياستها الخارجية والأمنية. وقام بالتدريس أولا في جامعة جون هوبكنز. تخرّج من جامعة برينستون ونال منها درجة الدكتوراة. قدّم العديد من الكتب من بينها: «الإمبراطورية الأميركية: الحقائق الدبلوماسية والنتائج» و«الزمن الإمبريالي: مشاكل الإمبراطورية الأميركية وآفاقها» و«الحرب الطويلة: تاريخ جديد لسياسة الأمن القومي الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية»، الخ.

الكتاب: حدود القوة

تأليف: اندرو ج. باسيفيتش

الناشر: ميتروبوليتان بوك - نيويورك 2008

الصفحات: 224 صفحة

القطع: المتوسط

The limits of power

Andrew J. Bacevich

Metropolitan Books- New York- 2008

224 P