ومن السمات التي يؤكد عليها تييري دي مونبريال هو أن أواخر سنوات الثمانينات الماضية كانت قد شهدت المرحلة الأولى من ثورة التكنولوجيات والمعلوماتية، ولكن تلك الثورة لم تكن قد وصلت إلى صميم النشاطات الاقتصادية والسياسية. ولم يكن يتم آنذاك الحديث حقيقة عن «عولمة». صحيح كان «تدويل» الجريمة والإرهاب مصدر قلق للعالم، ولكنهما لم يكونا في طليعة اهتماماته.
أما الصورة التي يقدمها المؤلف للعالم عشية عام 2009 فتتبدّى أهم ملامحها بالقول أن العالم محكوم بالمنافسة بين البلدان المتقدمة «تقليديا» والبلدان «الصاعدة». ذلك بعد أن تحققت النبوءة الخاصة بصعود القارة الآسيوية، ممثلا خاصة بالصين والهند. وتتسم الصورة الجديدة أيضا بوجود تداخل كبير في نشاطات الدول وعلاقاتها. كما يتم التأكيد على الصراع باسم «القيم» في العالم بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. يبدأ دي مونبريال تحليلاته اعتبارا من شهر يوليو- تموز 1989 حيث يؤكد على بروز ملامح «ثورة جديدة» في أوروبا الشرقية الوسطى، ذلك بعد 4 سنوات من وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي عام 1985. ويرى أن السمة الكبيرة التي تحلّى بها غورباتشوف تمثّلت في قدرته على تعبئة جميع الحركات والتيارات المطالبة بالتجديد لصالح مشروعه وتقديمها على أنها «حليفة للشعب» في مواجهة «الرجعيين» في الجهاز الحكومي.
لقد كان يسعى عبر ذلك إلى إنقاذ الحزب الشيوعي وإنقاذ الاتحاد السوفييتي نفسه. لكن «موهبته» وحدها لم تكن كافية لبلوغ ذلك، فالظروف كانت أقوى. وكان سقوط سور برلين في شهر نوفمبر- تشرين الثاني من تلك السنة إعلانا بتغيير وجه أوروبا، والعالم. فعبر ذلك الحدث- المنعطف «قررت الشعوب أن تصنع تاريخها مباشرة» بعيدا عن جميع «الوسطاء»، كما يقول المؤلف مشيرا إلى ندرة مثل ذلك الفعل «الشعبي» في التاريخ. لكن شعوب أوروبا الوسطى والشرقية فعلت ذلك خلال عام 1989. الأمر الذي أدّى إلى «إعادة تركيب» المنطقة الممتدة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود مما أدّى إلى «إعادة تركيب» أوروبا كلها.
وكان الحدث الأهم في عام 1990 هو إعادة توحيد الأمة الألمانية بعد أن كانت مقسومة إلى شطرين طيلة فترة الحرب الباردة. ويشير المؤلف إلى ذلك الحدث أعقبه تبدّل كبير على صعيد القارة الأوروبية والعالم عبّر عنه تييري دو مونبريال بحملة نقلها عن مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق «زبيغنيو بريجنسكي» وجاء فيها: «من المعروف منذ فترة طويلة أن نهاية الحرب الباردة سوف تؤدي إلى منتصرين هما الولايات المتحدة وألمانيا وإلى خاسرين هما الاتحاد السوفييتي وفرنسا». وإذا كان المؤلف يؤكّد واقع أن ألمانيا هي فعلا رابحة، فإنه بالمقابل لا يؤيد فكرة أن فرنسا خاسرة، ذلك على اعتبار أن نهاية الحرب الباردة لا يمكن أن تكون سوى لمصلحة الجميع.
وكان عام 1992 هو عام الاضطرابات في روسيا مع محاولة الانقلاب التي حاول الجنرال غينادي زيوغانوف القيام بها، وهي المحاولة التي استطاع بوريس يلتسين بنهايتها أن يفرض نفسه كأول رئيس لروسيا بعد انهيار الشيوعية. بالتزامن مع ذلك شهدت منطقة البلقان اضطرابات ذات طابع قومي واثني. واعتبارا من عام 1993 وخاصة 1994 بدأت ملامح النهوض الآسيوي بالبروز مترافقة مع الانفتاح على السوق العالمي والتأقلم مع قواعد الاقتصاد الحر القائم على المنافسة. وتابعت الدول المعنية صعودها لتواجه في عام 1998 أزمة مالية حادة وصلت آثارها إلى العالم أجمع.
ويحدد تييري دي مونبريال الحدث الأكبر خلال السنوات العشر الأخيرة بتفجيرات نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001. لقد أصبح بكل بساطة هناك «ما قبل» هذه التفجيرات و«ما بعدها». وبعد أن ردد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خطابا ينتمي إلى قاموس «صدام الحضارات» و«حرب الخير ضد الشر» تبنّى مقولة «الحرب ضد الإرهاب». وكان الحدث الأكبر الآخر في العقد الأخير هو الحرب على العراق في ربيع عام 2003. ولا يتردد المؤلف في وصف الحسابات الأميركية الخاصة بشن تلك الحرب كانت خاطئة، وأدّت إلى جعل سفينة العالم بلا قبطان، كما يقول أحد العناوين في الصفحات الأخيرة من الكتاب.
نظام دولي جديد
هزت حرب الخليج الأولى عام 1991 العالم بما طرحته من دروس وعبر وبروز ما سمي بـ «النظام الدولي الجديد». كما انطرحت على أوروبا أسئلة كثيرة خاصة فيما يتعلق بالهجرات وبالأمن الأوروبي مع وجود «روسيا الجديدة». وانطرحت على الجميع مشكلة النظام الدولي الجديد في حقبة أصبحت فيها الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم التي تستحق لقب «القوة العظمى».
المؤلف في سطور
تييري دي مونبريال هو مؤسس ومدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو أحد أكثر مراكز البحث السياسي والإستراتيجي المقرّبة من وزارة الخارجية الفرنسية.وكان قد عمل خلال سنوات 1973-1979 كأول مدير لمركز التحليل والاستقراء في وزارة الخارجية. وترأس ما بين 1974 و1992 قسم العلوم الاقتصادية في كلية «البوليتيكنيك» الشهيرة. شغل العديد من المناصب التعليمية الجامعية ، وله العديد من المؤلفات من بينها «ثأر التاريخ» و«الحرب وتنوّع العالم» و«الجغرافيا السياسية»، الخ.
الكتاب: عشرون عاما هزت العالم
تأليف: تييري دي مونبريال
الناشر: دونو - باريس 2008
الصفحات: 626 صفحة
القطع: المتوسط
Vingt ans
qui bouleversèrent le monde
Thierry de Montbrial
Dunod -Paris- 2008
262 P

