يعتبر كتاب «المستقبل وأعداؤه» أن الوعي «الإنساني» بالمستقبل يشكل أيضا مصدر قلق كبير بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إليه. ويؤكد مؤلفه دانييل انيراريتي أن «المستقبل» يمكن أن يكون «أسوأ أو أفضل» للبشر . يضاف إلى هذا أن أمر هذا المستقبل يتعلق بهم إلى هذه الدرجة أو تلك. ثم «إن التفكير بالمستقبل يكون منه في أغلب الأحيان تعكير صفو الحاضر».

ويركّز دانييل انيراريتي على القول بأشكال مختلفة أنه من الصعب جدا «التفاهم مع المستقبل». ذلك أنه قد تتم «المبالغة» كثيرا في الخوف منه أو «المبالغة» في الأمل حيال ما يمكن أن يقدّمه رغم عدم توفر المعطيات التي تسمح بذلك في أغلب الأحيان. بكل الحالات يبقى هذا المستقبل في «عالم المجهول» وكل ما يقال عنه لا يتعدّى «التوقعات» التي قد تصيب أو تخطئ. وللمستقبل أيضا «أعداؤه»، كما يقول لنا دانييل انيراريتي ، مضيفا و«محاموه السيئون، وهذا يجعله عرضة للمعاناة من نقاط ضعف مزمنة». لكن من هم «أعداء المستقبل»؟ إن المؤلف يحددهم ب«أكبر المتحمسين له»، كما يبدو. وذلك من خلال «تبسيطه» والمطالبة برسم برامج «متسرّعة» له دون أن يأخذوا باعتبارهم الثمن المترتب على ذلك، ويتحدث المؤلف في سياق المرحلة الراهنة عن الثمن المترتب على «الحداثة».

ويطوّر دانييل انيراريتي في تحليلاته عددا من المقولات في ميادين السياسة والمجتمع والأخلاق. ويشير إلى أن «الدعوات الطوباوية الحديثة»، يسارية كانت أو يمينية، تتأمل بالمستقبل من زاوية ما يمكن أن يعرفه من تجديد اجتماعي. ويختزل الخطاب السائد ميدان التجديد إلى المجال التكنولوجي وإلى الأسواق التي تتسع أكثر فأكثر. ويميّز في هذا السياق بين «أعداء المستقبل» الذين يتصورون إمكانية الوصول إلى ذلك دون أن يأخذوا باعتبارهم «تعقيد» المستقبل وكم هو «كتيم» وبين أولئك الذين لا يأبهون بالمستقبل على أساس أن الأمور تأخذ لوحدها مجراها الطبيعي. بكل الحالات لا أحد يمكنه أن ينزع عن المستقبل واقع أنه مفتوح لكل الاحتمالات، بما في ذلك غير المرئية منها.

ويجد المؤلف في بحثه عن «مستقبل المجتمعات الديمقراطية»، ويقصد الغربية أن أحد أسباب الأزمة السياسية مرتبط إلى حد كبير بواقع أن هذه المجتمعات «لا تقيم صلات جيدة مع المستقبل». السبب في عدم وجود «الرابطة العضوية» يتمثل في كون أن المنظومات السياسية الغربية والثقافة بشكل عام تتجه بالأحرى نحو اللحظة الحاضرة، والعلاقة مع المستقبل الجماعي، الشامل، ليست من طبيعة تفتح آفاق الأمل وإقامة مشروع مستقبلي وإنما بالأحرى هي من طبيعة تقوم على مبدأ «الترقب» و«الحذر».

ويأخذ دانييل انيراريتي كثيرا على الأجيال الحالية في الغرب اهتمامها المحصور بالحاضر دون أن تأخذ باعتبارها الإرث الذي سوف تتركه للأجيال اللاحقة. ويشير إلى أن الأجيال اليوم تتصرف وكأنها بمنجاة عن كل عقاب وغير آبهة بواقع أن تحرم الآخرين ـ الأجيال اللاحقة ـ من المستقبل. وينقل المؤلف في هذا السياق جملة عن الكاتب الألماني الكسندر كلاج تقول إن البشر اليوم بصدد القيام ب«هجوم انطلاقاً من الحاضر ضد بقية الزمن». هذا يعني أنهم ينسون أن «الآن» هو يمثل «الغد» بالنسبة لأطفال اليوم.

ويتحدث دانييل انيراريتي في نهاية الكتاب عن «الأمل» باعتباره «الشعور الإنساني الذي يحدد علاقتنا مع المستقبل». ويؤكد على أهمية «الأمل» بالمعنى العقلاني المنطلق من الحاضر وليس «التفاؤل الرخو» الذي يخلق الكثير من الأوهام بعيدا عن الواقع. ويتم التأكيد في هذا السياق أن الشيء الوحيد الذي ينقذنا من اليأس يكمن في «الهرب إلى الفعل». ثم إن الأمل الحقيقي يسمح لنا بالرقابة على مشاريعنا المستقبلية و«خيبات الأمل يمكن أن تشكل محرك التطور الاجتماعي».

وفي المحصلة يدافع هذا الكتاب عن «سياسة الأمل» في لحظة تضعف فيها الثقة بالمستقبل. سياسة تقوم على إرث الماضي وأولويات الحاضر وتحديات المستقبل.

التقدّم المأزوم

يؤكد المؤلف دانييل انيراريتي أن «المستقبل» فرض نفسه على الاهتمام العام منذ عدة عقود من الزمن، وذلك مع «البروز» الكبير لمسائل تتعلق بمحدودية النمو الاقتصادي وموارد الطبيعة والآفاق القائمة والمنذرة بالخطر لتلوث البيئة وما يحمله ذلك من مخاطر. مثل هذا المستقبل «الملبّد بالشكوك» دخلت فكرة التقدم نفسها في حالة أزمة. هكذا أصبح من الطبيعي أن يعاني البشر العاديون من القلق حيال المستقبل، مستقبلهم.

المؤلف في سطور

دانييل انيراريتي، فيلسوف اسباني وأستاذ في جامعة سيراغوسة. ركّز أعماله منذ البداية على دراسة التداخل القائم في العالم المعاصر بين المنظومات الأخلاقية والسياسة والمجتمع. له مؤلفات عديدة منها كتاب جرت ترجمته إلى عدة لغات تحت عنوان: «الديمقراطية دون الدولة».

الكتاب: المستقبل وأعداؤه

تأليف: دانييل انيراريتي

الناشر: فلاماريون - باريس 2008

الصفحات: 188صفحة

القطع: المتوسط

Le futur et ses Ennemis

Daniel Innerarity

Flammarion - Paris 2008

188 P