أجرى موقع بورزوي ريدرز الثقافي المتخصص هذا الحوار مع الروائي الأميركي مايكل هارفي مع صدور روايته الجديدة «الطابق الخامس» التي تعد بمثابة الجزء الثاني لروايته ذائعة الصيت «على طريقة شيكاغو«، حيث ألقى الضوء على التداخل بين تجربته في العمل الإعلامي والتوثيق وبين الإبداع الروائي، وأشار بصفة خاصة إلى تأثره برائدي روايات التحري الأميركيين الكبيرين داشيل هاميت وريموند تشاندلر، وأعرب عن اعتقاده بأن الحقيقة غالباً ما تكون أكثر غرابة وأشد ثراء من الخيال، وتوقع أن يشهد المستقبل المزيد من اهتمامه بالإبداع الروائي على الرغم من ولعه بعالم الأفلام الوثائقية، وفيما يلي نص الحوار:

من أين نبعت فكرة روايتك «الطابق الخامس»؟

كانت لدى قرابة مئة صفحة من هذه الرواية مستقرة في درج خلفي من أدراج مكتبي على امتداد عامين، فبادرت إلى إخراجها وقررت الاستمرار فيها إلى النهاية. وفي ذلك الوقت كانت لديّ بداية ونهاية للرواية، وليس هناك الكثير مما لابد أن يوجد بينهما، ولذا قررت العكوف على الكتابة للانتهاء منها، وتركت الشخصيات تبدأ في الحديث، فأبلغتني إلى أين ينبغي أن أمضي بالرواية، وخطوط الحبكة المحددة هي جميعها من بنات الخيال، ولكنني على الرغم من ذلك لديَّ الكثير من الاتصالات بالشرطة والقتلة ووكلاء النائب العام وخبراء الطب الشرعي، وذلك من خلال عملي باعتباري صحافياً ومنتجاً للأفلام الوثائقية.

أنت مبدع الاستعراض التلفزيوني الجماهيري «ملفات القضايا المجمدة». كيف شاركت في ذلك الاستعراض؟

في عام 1997، كنت أشتغل على العديد من المشروعات الوثائقية لكل من التلفزيون والسينما. وقد غطى عملي نطاقاً من الموضوعات، شمل كل شيء من المحرقة إلى الحياة في البيت الأبيض في عهد كلينتون. غير أن معظم أعمالي التوثيقية تركزت على الآليات الداخلية للنظام العدلي الأميركي، ولم يكن معظم الجمهور قد سمع من قبل عن الحمض النووي إلا من خلال قضية لاعب كرة السلة أو.جي.سمبسون، ومن خلال حديثي مع وكلاء النائب العام والمحققين ورجال التحري أدركت حقيقة ما يجري، وبدا واضحاً لي أن علم الطب الشرعي المتعلق بالحمض النووي يغير النظام العدلي بأسره بطريقة جذرية ولم يسبق لها مثيل، وأنا لست بالعبقري، ولكنني أدركت أنه لابد من الانتباه لهذا الجانب.

هل تعتقد أن قضاء الكثير من الوقت في معالجة الجرائم التي لم يتم حسمها قد غذى رغبتك في إبداع بطل روائي يكرس حياته لحل ألغاز الجرائم؟

نعم ولا. لقد أبدع داشيل هاميت وريموند تشاندلر بصورة جوهرية تركز أميركا الأدبي على رواية التحري. وشأن معظم الكتاب الذين يشتغلون على هذا الجانب فقد تأثرت كثيراً بهذين الروائيين. ولدى البدء في العمل مع التحريين الحقيقيين أدركت بصورة أفضل السر في أن هاميت وتشاندلر هما من هما عليه، فقد تفهم كل منهما شخصية التحري الذي يتعقب الأشرار ويتخذ من ذلك مهنة له. لماذا يقوم بذلك؟ كيف يقوم به؟ ما هي الأخطار المتضمنة في ذلك؟ ما هي طبيعة المنهاج الذي يتبناه التحريون في انجاز عملهم؟ وأعتقد أن الأمر بالنسبة لهاميت وتشاندلر لم يكن متعلقاً بالحبكة قط، وإنما كان يدور دوماً حول الشخصية، وبالطبع حول الكتابة الرائعة، وقد أدركا ذلك أكثر من أي شخص آخر. وأعتقد أن تلك طريقة ملتفة للقول إن بطل رواياتي هو نتاج لعدد من المؤثرات المختلفة النابعة من عالمي الواقع والخيال. وربما كان ينبغي أن أبدأ الحديث بذلك.

كم من التجربة التي عشتها باعتبارك صحافياً ومنتجاً للأفلام الوثائقية ألهم روايتك الجديدة؟

هناك مقولة قديمة مفادها «أكتب ما تعرفه». ولست أظن أنني كان بمقدوري أن أبدع بطل روايتي أو خطوطها من دون تجربتي في الصحافة وإنتاج الأفلام الوثائقية. وابتداء من الإيقاع واللغة والأسرار الداخلية لعلم الحمض النووي إلى ما يجعل القاتل التسلسلي ينطلق في جرائمه، ليس هناك بديل لكون المرء في قلب الميدان يقف شاهداً على ما يجري. وبينما ليست هناك تأثيرات مباشرة على انعطافات خط الرواية أو الحبكة، فإن كل ما قمت به في مجال العدالة الجنائية يغذي صيغة الرواية ومناخها النفسي. وآمل أن يكون ذلك شيئاً جيداً.

تتناول روايتك الأولى «على طريقة شيكاغو» الكثير من القضايا المتعلقة بجريمة الاغتصاب وكيفية التعامل مع الضحايا. ما الذي اجتذبك لهذا الموضوع؟ وهل تحاول جذب الانتباه إلى المشكلات والتحديات المتعلقة بكيفية التحقيق في جرائم الاغتصاب ودفعها إلى ساحات المحاكم؟

أود أن يعمل كتابي عل مستويين، فأولاً أمل أن يجد فيه الناس مادة ممتعة. وإذا أردت التعمق بشكل أكبر، فإني أمل أن بمقدورهم أن يجدوا بعض القضايا الحقيقية تحت السطح. وقد انتقلت على امتداد أميركا بين مخازن تضم صناديق تتعلق بقضايا الاغتصاب المرتفعة حتى السقف ومخازن أخرى تنتظر اختبارات الحمض الننوي. والجميع متفق على أن أسماء القتلة والمغتصبين موجودة وبانتظار الكشف عنها. والمشكلة الوحيدة هي عدم وجود ما يكفي من المال أو الوقت أو الأيدي العاملة لإنجاز هذه المهمة. وأعتقد أن العلماء ورجال الشرطة ووكلاء النائب العام يبذلون كل ما بوسعهم. والمشكلة تكمن في المال. فهل يمكن توفير المزيد من المال للقيام باختبارات الحمض النووي؟ وإذا كان بمقدورنا توفيره، فلاشك في أننا سنحل القضايا، ونغلق الملفات .

هل هناك سمات مشتركة بينك وبين بطلك التحري مايكل كيللي؟

أعتقد أن السمات المشتركة الأكثر وضوحاً هي اهتمام كيللي باللغات الكلاسيكية، فقد بدأت دراسة اللغة اللاتينية في الصف السابع وبدأت دراسة اليونانية القديمة خلال العام الثاني من الدراسة الثانوية وواصلت دراسة اللغتين في الجامعة وتخرجت من الجامعة بدرجة علمية في اللغات الكلاسيكية. وهو ما يعني عقداً من دراسة اللاتينية واليونانية القديمة. ومن نافل القول أنني كان لابد لي من التوصل إلى طريقة لإبراز هذه اللغات الكلاسيكية في رواياتي، وقد أتاحت شخصية مايكل كيللي لي القيام بذلك.

والشيء العظيم فيما يتعلق بخلفية في اللغات الكلاسيكية هو أنك لا تدرس اللغات ذاتها فحسب، وإنما أيضاً تتعلم من بعض أبرز المراقبين للشرط الإنساني في تاريخ الحضارة الغربية، ومن بينهم هوميروس، أفلاطون، أسخيلوس، سوفو كليس وشيشرون، واستخدام الإشارات في رواياتي يسمح لي بإدخال الكثير من مفاهيمهم كطريقة لتعميق الشخصية ولتطوير الحبكة. وأحسب أن خلاصة القول إن هناك سبباً وجيهاً لاستمرار بقاء أفكار هوميروس وأفلاطون وشيشرون وغيرهم، فأعمالهم تتعلق بنوعيات خالدة من الحقيقة والمفاهيم التي لها أهميتها اليوم كما كانت لها أهميتها يوم كتبت. وتلك هي عبقريتهم، وهي طريقة فريدة للمضي قدماً بروايتي.

المؤلف في سطور

درس الكاتب والروائي الأميركي القانون في كلية الحقوق بجامعة دويك، وحصل على الماجستير في الصحافة من جامعة نورثوسترن وعلى البكالوريوس في اللغات الكلاسيكية من هولي كروس كوليج.عمل بالصحافة وإنتاج الأفلام الوثائقية، واشتهر بصفة خاصة بإنتاجه لاستعراض «ملفات القضايا المجمدة» وعمل منتجا محققاً لشبكة سي.بي.اس في شيكاغو، ونال العديد من الجوائز الأميركية والدولية، ومن بينها جائزة إيمي عدة مرات، ورشح لجائزة الأوسكار عن فيلمه الوثائقي شاهد عيان. نال شهرة مدوية بروايته الأولى «على طريقة شيكاغو» التي أصدر مؤخراً جزءاً ثانياً لها بعنوان «الطابق الخامس» وهو يعكف الآن على كتابة روايته الثالثة ومجموعة من القصص القصيرة.

منى مدكور