تشكل رواية مايكل هارفي الجديدة، الصادرة مؤخراً بعنوان «الطابق الخامس»، جزءاً ثانياً لروايته الرائعة «على طريقة شيكاغو» التي وصفها الروائي الأميركي جون جريشام بأنها رواية أولى رائعة ينبغي أن يقرأها الجميع وهي تدور حول جريمة قتل تقع في شيكاغو المعاصرة، وتشق طريقها عائدة إلى حريق شيكاغو الكبير الذي أتى على المدينة بكاملها في عام 1871.في مستهل الرواية، نحن على موعد مع التحري مايكل كيللي، الذي تستعين بخدماته زوجة لاقتفاء خطى زوجها الذي طالما أساء إليها. ويتوقع مايكل أن يجد نفسه في مواجهة حشد من المتاعب المنزلية، لكن ما يواجهه بالفعل هو حشد من المتاعب ذات الطبيعة التاريخية.

غير أن الحياة ليست بسيطة، أو هذا هو ما نكتشفه عبر صفحات الرواية، حيث تمضي خطى كيللي إلى منزل عتيق في الجانب الشمالي من شيكاغو، ويجد التحري داخل هذا المنزل صبياً وربما ما يمكن وصفه بأنه الرد على واحد من أكثر ألغاز شيكاغو استقصاء على الحل: من الذي بدأ حريق شيكاغو الكبير ولماذا؟

يمضي التحقيق الذي يعقب ذلك بالتحري كيللي إلى أماكن كان يؤثر ألا يذهب إليها، وعلى وجه التحديد إلى الطابق الخامس في قاعة مدينة شيكاغو، حيث يواجه عمدة المدينة الضغوط التي تتوالى عليه ويواصل لعبة الاستمرار في العمل العام رغم متاعبه التي لا تعرف الانتهاء.

وفي نهاية المطاف يجد كيللي نفسه في عالم تتناقض على امتداده ظواهر الأشياء مع بواطنها، ويواجه قاتلاً عقد العزم على إعادة كتابة التاريخ، ويحدِّق في وجوه شياطين تنتمي إلى ماض لم يعرف بوجوده قط. نحن هنا أمام رواية إثارة يتصاعد إيقاعها بسرعة لاهثة، ويبدو السرد فيها نسيجاً محكماً، غنياً بتاريخ ومناخ مدينة عظيمة، وهي تشكل استمرارا لرواية هارفي الأولى التي حظيت بحماس النقاد والقراء على حد سواء.

وبطل الرواية، مايكل كيللي، هو شرطي سابق من قوة شرطة شيكاغو، يعمل الآن تحرياً خاصاً، وكما أشرنا فإنه يقبل العمل على قضية يعتقد أنها تتعلق بحالة عنف منزلي، تتعرض فيها الزوجة للإساءة من قبل زوجها، ولكنه عندما يقتفي أثر جوني وودز الذي يعمل مساعداً لعمدة المدينة القوي، فإنه يجد نفسه في مسرح جريمة قتل وحشية.

سرعان ما يدرك كيللي أنه قد التقط طرف خيط فضيحة بدأت مع اندلاع حريق شيكاغو الكبير في عالم 1871، وعندما يحضر بشكل أكبر بحثاً عن جذور ما توصل إليه، فإنه يصل إلى ما كان يعتبر في وقت من الأوقات أسطورة من الأساطير العديدة المرتبطة بشيكاغو، فهو يكتشف أن عائلتين من أبرز عائلات المدينة قد تآمرتا للقضاء على المهاجرين الايرلنديين إليها، وذلك بإحراق الأحياء العشوائية في المدينة.

مع توالي اكتشاف كيللي للمزيد من الجثث، فإنه يصبح مرتبطاً على الصعيد العاطفي مع قضايا لها أسرارها الخاصة أيضاً. يعقد كيللي العزم على كشف أسرار المؤامرة التاريخية العتيدة، حتى إذا كان ذلك يعني أن يضع نفسه في الجانب الخاطئ من رجال المدينة الأقوياء.

ويلفت نظرنا التحرك المحكم للحبكة التي يعتمدها هارفي لتقديم روايته من خلالها، كما نتوقف طويلاً عند حواره المميز المستلهم من السينما السوداء من دون أن يوحي لنا بالنزعة الاستعراضية.وقد حظيت رواية «الطابق الخامس»، فور صدورها، باهتمام كبير من الدوائر الأدبية في الولايات المتحدة، وليس من قبيل الصدفة أن يبادر الروائي الأميركي الكبير جون جريشام إلى القول إن «مايكل هارفي صوت جديد رائع».

ويقول الروائي الأميركي إريك لارسون، مؤلف كتاب «الشيطان في المدينة البيضاء» عن رواية هارفي الجديدة: «يقدم لنا مايكل هارفي في «الطابق الخامس» حكاية عن القتل وسياسات منصب العمدة والكارثة التاريخية التي تعرضت لها شيكاغو عبر حريقها التاريخي الكبير، وباختصار يقدم لنا رواية تحر كاملة تدور في أجواء شيكاغو مع جولة مفعمة بالحب في الأماكن الأكثر طرافة في المدينة والتي تجعل من يغادر المدينة يحن إليها دوماً».وتشير مجلة «كيركوس» الالكترونية المتخصصة في معرض التعقيب على رواية هارفي الجديدة بالقول: «يتعمق التحري الخاص مايكل كيلي في تاريخ حريق شيكاغو الكبير في إطار القضية الثانية فيما يشكل سلسلة قوية».

غير أن هذه الرواية، على الرغم من الحماس الذي تثيره، والذي نلمس في هذا كله بعض الأصداء التي أثارها، ومع نقاط القوة التي لمحناها بصفة خاصة في الحبكة وفي الحوار على السواء لا تخلو من نقاط ضعف، قد يكون من المناسب أن نشير إليها، ولو بصورة عاجلة.

لعل أبرز نقاط الضعف هذه ما يتعلق برسم الشخصيات، وفي مقدمتها شخصية كيللي، التي تبدو لنا في كثير من الأحيان وكأنها منقولة من ملامح من أبطال شاندلر، حيث نلحظ الكثير من الخصائص والسمات وأساليب الحركة والتعرف التي تذكرنا بالأساليب التي تبناها تشاندلر في رسم شخصيات أبطاله.

أحب وأكره

دفعت بديوان الشعر الرشيق المجلد، عبر النضد، إلى حجرها، فالتقطته المرأة ذات الشعر الأسمر المحمر، القوام الفريد والحياة المهمشة.قالت: «ليس بمقدوري قراءة هذا» ورفعت رأسها.قلت: «هذا لأنه مكتوب باللغة اللاتينية. لماذا لا تقومين بنزع عويناتك!».«لماذا لا تترجمه لي؟».«انزعي العوينات!»رفعت المرأة العوينات القاتمة عن وجهها. كانت عينها اليسرى بنية ومترغرغة بالدموع. وعينها اليمنى سوداء ومغلقة بفعل التورم. وطرحت عظمة الخد أسفلها دراسة في ظلال الأرجواني، الأزرق والأصفر.قالت: «هل اتضحت لك الصورة؟»«القصيدة من نظم كاتولوس. البيت الأول ترجمته: إنني أحب وأكره».

مقتطف من رواية «الطابق الخامس»

الكتاب: الطابق الخامس

تأليف: مايكل هارفي

الناشر: نوف - نيويورك 2008

الصفحات: 288 صفحة

القطع: المتوسط

The Fifth Feoor

Michael Haruey

Knopf,N.2008

288 P