كأنَّ لينا هويان الحسن تكتب في روايتها «بنات نعش» وبكثيرٍ من العشق حلماً شعرياً عن قلق بدويٍ هو (سعدون الأبهر) حين ينشرُ/ ينثرُ في رحلة بحثه عن غرمائه مابين بغداد وبيروت ودمشق وحلب كثيراً من الفروسية، كثيراً من الثأر لبداوة أكثر مدنية من أحدث حداثة. وهو الأمير العربي لعشيرةٍ، لأسرةٍ بلغت سلطتها غاية ذروتها في أربعينات القرن التاسع عشر، ثمَّ سالت؛ انسلَّت من بين يديها كما الماء؛ ولم يبق إلا الفرس الذي باعه واشترى بثمنه سيارة جيب.
تقدم الكاتبة بطلها سعدون الأبهر وهو يبحث عن(أنا) وجودية تقوم بتقشير الزيف ووهم الزيف عن روحها، فنشوف لينا وهي تسبر عشقه/ حبَّه «لماران» التي ماتت من أجله، والتي يُخرج جثَّتها من قبرها ويدفنها في مكان لا يهتدي أحد إليه- يضيِّع قبرها؛ قبر ماران بنت الشيخ «مدلج» التي تزوَّجت زواج صفقةٍ من أميرٍ نجدي، ثمَّ تفلت منه بحيلة- فهي لن تسلِّم جسدها إلا للأبهر- حين مثَّلت دور الممسوسة. دورَ التي يسكُنها جنيٌ من تحت الأرض لتعود إليه. فيضيِّعُها ولا يضيِّع هذا الأبهر الذي كان منذ ابتداء الزمن الروائي بالانسراب بين أيدينا وكأنَّه خارجٌ لتوِّه من معسكر إبادة، فيرمي بذكرياته/ يرمي بنفسه أمامنا- الرواية ليست غرفة تعذيب، هي غوصٌ في مشاعر أبطالها، ولينا الحسن تريدُ تفجِّر مأساتهم التي يعيشونها، ففارس وتويما مثل الأبهر كانا أيضاً يعيشان حالة حب- لحظة حب عنيفةٍ وساحرة وقد تزوَّجته تويما، تزوَّجت فارس رغماً، بل وبتحدٍ لكل قوَّة حاولت منعها، ولمرَّةٍ واحدة وفي ليلة واحدة، أولى وأخيرة.
حين كان جسده ينزف دماً مغمَّداً بالمسك، فنزعت عنه مايلزم لممارسة الحب من ثيابه، وقبَّلته بكل ما أوتيت من شغفٍ وتذكُّر، وقد نفَّذ/ نفَّذا/مارسا حبَّهما ببعضهما، فمنحها فارسُ إيَّاه، أعلنه وكان سراً، دفعه دفعةً واحدة أولى وأخيرة، وصرخا؛ صرخا سويةً في تلك اللحظة الواخزة الغائرة؛الصرخةَ الما بعدها صرخة. وبعدها بقليلٍ استرخى فارسُ وماتْ، ماتَ وهلوست «تويما» باسمه، وقبَّلته القبلة الأخيرة حتى الإغماء في الحياة. لكنَّها لم تختف كما اختفى قبر ماران، وكما اختفت «جمرة» من خيمتها ليلة زفافها، ليلة عرسها على أنَّ أحد الجِنِّ خطفها من زوجها الآدمي لأنَّه يريدها زوجةً له.
لا تروي الكاتبة ألغازاً ولا إثاراتٍ ولا صوراً، إلا أنَّها تكتب مثل فيلسوفة متصوِّفة في عشقها للبداوة، لقيم الفروسية والنبالة التي اندثرت من حياتنا. فسعدونها/ سعدوننا الأبهر ليس قديساً وليس مجرماً، لكنَّه ضحيَّ عندما ضحيَّ من المال إلى الحياة بما فيها(عقدته الغرامية) من ماران ابنة صديقه الشيخ مدلج فلأنَّه يريد أن يذهب إلى الشجاعة؛ يذهب إلى الرجولة فينتقم من الجبناء.
ولينا وبذكاء شديد رغم أنَّ الكثير من الأحداث في روايتها على جانب من التوثيق إلا أنها لم تكتب رواية وثائقية، فقد كانت تمسكُ بالسرد لا تشرحه، لا تفسِّره إنَّما تتركه يسردُ ذاته في لعبةٍ؛ في طريقةٍ هجومية من داخل السرد فيشبك عناصره. سيما وأنَّ الأبهر؛ أبهرها/ أبهرنا؛عالمه الداخلي مشتتٌ وعلى لينا أن ترتِّبه، تلمُّه، تجمعه، وتحكم توجيهه، تحكم انفعاله وحماسه فلا تدعه طريدةً ولا فريسة، الأبهر ليس مفكِّراً.
لكنَّه كان عاقلاً جُنَّ من كثرة ماجرح الحاكمون أحلامه وأدموها، وهنا ينشأُ الجدل في الرواية، الجدل ما بين الواقع وما بين الخيال الذي تكتبه لينا، وهي تصرِّح بذلك في سياق الرواية بالقول: مع الأبهر عرفتُ أنَّنا لا نكتب الروايات،إنَّما نلعبها لتكتبنا هي، لتتركنا على حافَّة التخمين بشأن المصير،مثلما حدث بشأن نهاية الأبهر،الذي ابتلعته الزوبعة مع ذلوله، وكأنَّها فعلت ذلك بتوقِ عاشقٍ في إثرها، وركض العبدُ «مبارك» يشقُّ دربه بعينٍ واحدة ويصيح ياغرنوق.
أنور محمد
لعبة التحدي
تحاول لينا هويان الحسن في روايتها استكشاف المسافة مابين البشاعة والجمال، في لعبة جدِّيةٍ من لعب الخيال، الذي تقتحم فيه منطقةً بكراً في الرواية السورية(البادية) تكتب روايتها بتحدٍ تكتب وهي تسوق حكايةً وليس وصفاً إخبارياً تكتب عن البادية/الصحراء التي كانت شخصيةً مكانيةً مقصودةً في «بنات نعش» وهي التي صنعت الفضاء الروائي الذي لعب فيه الأبهر لعبته.
المؤلفة في سطور
لينا هويان الحسن كاتبة وروائية سورية قال عنها أحد النقاد إنها تأخرت مئة عام في كتابة أو نشر روايتها «بنات نعش» التي طبعت للمرة الثالثة، كما للكاتبة رواية «التفاحة السوداء» الصادرة عن دار الشموس في دمشق التي تعتمد فيها لغة لا تخلو من تداعيات اللحظات العابرة في رحلة بوح خاصة تسبر فيها الماضي الاليم.
الكتاب: بنات نعش
تأليف: ليناهويان الحسن
الناشر: دار ممدوح عدوان - دمشق 2008
الصفحات : 182صفحة
القطع: المتوسط

