قسم الراحل عبد الوهاب المسيرى رحلة حياته إلى جزءين وقد تولى د.عمرو شريف عرض وتقديم جملة الأفكار والتعريف بالمصطلحات التي استخدمها في كتاب « رحلة عبد الوهاب المسيري » وبذلك يصبح الكتاب من تلك المدونات القليلة التي تتناول السيرة في جانب وجملة الأفكار والمعارف المتنوعة على الجانب الآخر.

وقد بذل «د.عمرو» جهدا يشكر عليه في هذا التوجه، ونجح في تقديم السيرة والمفاهيم معا. أما الجزء الأول «التكوين» من السيرة..و قد أضيف هنا ما رصده «د.عمرو شريف» في ختام مقدمته بأن أقتبس ما قاله أحد الأساتذة المناقشين للدكتور المسيرى عن أطروحته للدكتوراه، فأقول: «ان الحياة بعد اطلاعي على رحلة المسيرى الفكرية، تختلف عن الحياة قبل الاطلاع عليها. فقد تناول الراحل ما تأثر به في طفولته بمدينة دمنهور، ثم وقفات مع تلك الأحداث والمواقف التي بدأت تنقله إلى الاتجاه نحو عالم الفكر.

أما وقد تفوق في دراساته وحصل على منحة دراسية بالولايات المتحدة الأميركية للحصول على إجازة الماجستير والدكتوراه.. فهى الفترة التي حدث معها التلاقح الفكرى والتعرف على الآخر. أما وقد بدت التجربة أكثر التصاقا بالهم العربي والإنسان، انتقل الكاتب على حد تعبيره من ضيق «المادية» إلى رحابة الإنسانية والإيمان.

أما الجزء الثانى من السيرة بعنوان «عالم الفكر»، فهو من الأهمية بحيث يجب التوقف أمام تلك المرحلة التي انتقل فيها من المادية إلى الإنسانية والايمان.. ترى أي منهج اتخذه؟

لقد أخبرنا أنه انتقل بعملية غير سهلة ولا هينة. فهو يرى أن «الإنسان» ظاهرة مركبة لا يمكن أن ترد إلى ما دونها «الطبيعة/ أو المادة». ويرى أن دراسة الإنسان تحتاج إلى نماذج مركبة تضع في اعتبارها روحانية الإنسان (النفخة الإلهية) كما تضع في اعتبارها ماديته (خلقه من طين).

ويرى البعض أن تناول المسيري هذه الرؤية يعد بداية المرحلة الإيمانية في فكره. وقد تبنى ثلاثة مفاهيم مترابطة متداخلة، وهى: أنه انتقل من الموضوعية الفوتوغرافية المتلقية إلى الموضوعية الاجتهادية.. ثم مفهوم رفض العقل السلبى وتبنى رؤية توليدية للعقل.. مع مفهوم رفض الرصد المباشر للواقع.

وتلك هي المفاهيم الأساسية التي أنجز بها الكثير من أعماله، لعل منها «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد». لقد تناول د.عمرو شريف نماذج تطبيقية لمنهج المسيري الفكري. ففى رسالة الدكتوراة، موضوعها «الأعمال النقدية لوليام وردزورث ووولت ويتمان: دراسة في الوجدان التاريخي والوجدان المعادى للتاريخ».. ثم كتاب «الفردوس الأرضى» حيث يعرض الكتاب للنزعة الاستهلاكية المهيمنة على الإنسان الأميركى، والإنسان الحديث بصفة عامة وكيف أنها تعنى الارتباط بالآن وهنا، وهو ما قد يلغي الماضي والمستقبل، أى يلغي التاريخ.

وقد عالج الكتاب هذا المفهوم أو الطرح من خلال ثلاث موضوعات: الفردوس الأرضي العلمي ونهاية التاريخ.. العلاقة الوجدانية والمعرفية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.. مشكلة المرأة والضغوط التي تتعرض لها في المجتمع الحديث. أما أبرز مفاهيم المسيري ومنهجه فقد تجلى في «الموسوعة».

وقد بدأت الفكرة عندما كتب «المسيري» كتابه «نهاية التاريخ» ولاحظ أن بعض الأسماء من الأعلام والمصطلحات غير معروفة عند البعض، ومنهم المتخصصين.. فكانت فكرة الموسوعة التي يقول أنه بدأ بمحاولات جمع المعلومات فقط، ثم نشرها. ولكن تبين للمسيري عدم جدوى المصطلح دون تفكيكه وشرحه، فكانت موسوعة 1975م. وبعد جهد جهيد خرجت الموسوعة التأسيسية التركيبية إلى النور في عام 1999م بعنوان «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد».

لعله من أدبيات الأعمال الكبيرة، ما يصبح مشوقا وجذابا، لذا سوف نتخير ما تعرض له د.المسيري من جراء الانشغال بإنتاج هذه الموسوعة: منها أن طلب الإسرائيليون رسميا عدم توزيع موسوعة 1975م.. تمت سرقة كل مشتملات بيت «المسيرى» في منتصف السبعينيات، وقت أن عمل مستشاراً ثقافياً للوفد المصري في الأمم المتحدة، وقد تمت السرقة للمكتبة ومسودات المقالات والكتب، بهدف الإرهاب النفسي، وهو أمر معروف في نيويورك.. أرسل له الإرهابى «مائير كاهان» العديد من رسائل الإرهاب.

الانجاز العلمي

قد يخطئ البعض أن عبد الوهاب المسيري هو رائد أدب المقاومة في العالم العربي وحسب، وأنه نال ما استحقه من محبة رجل الشارع قبل المتخصص بسبب هذا الانجاز العلمي الهائل، في قضية من أهم قضايا العرب منذ أكثر من نصف قرن، ألا وهى القضية الفلسطينية، لأن الكاتب وهب للمكتبة العربية موسوعات ودراسات تتناول المعتدي وتقدمه لنا فكريا، حتى نعتبر ونحذر.

المؤلف في سطور

د.عمرو شريف كاتب مصري من مواليد بورسعيد عام1950م، يعمل أكاديميا في كليات الطب/ المناظير وأمراض الكبد ـ بالإضافة إلى أنشطته في مجال الخدمة العامة والطب.. يدير الندوات ويكتب الدراسات في مجال نشأة الحضارات والتفكير العلمي، -له كتاب «أبى آدم: من الطين إلى الإنسان» يتناول فكرة الخلق، و«المخ البشرى والسلوك بين شهريار وشهرزاد».

السيد نجم

الكتاب: رحلة عبدالوهاب المسيري الفكرية

تأليف: د.عمرو شريف

الناشر: هيئة قصور الثقافة - القاهرة2008

الصفحات: 486صفحة

القطع: الكبير