كتاب « من مانهاتن إلى بغداد » هو حوار بين اختصاصيين في شؤون العالمين العربي والإسلامي هما محمد أركون وجوزيف مايلا ويرمى إلى تبيان معاني اعتداءات 11 سبتمبر التي أيقظت الفوارق والاختلافات الكثيرة التي تباعد بين الشرق والغرب وأعادت إلى الأذهان سلسلة من التساؤلات التي لا تنتهي حول مستقبل الإسلام. ويقدم الكتاب من خلال الحوار بين المفكرين الإطار الذي يسمح برؤية الخلفية التاريخية والثقافية التي تظهر أمامها أحداث 11 سبتمبر ويحللان الشكل الذي تم من خلاله تلقي هذه الأحداث في أوروبا وفي العالم العربي وتفحص رد الفعل الأميركي عليها.

في معرض تحليله للأوضاع بعد سبتمبر يشير أركون إلى أن العالم يشهد عمليات تسطيح إيديولوجي وتبسيط سياسي وتنحية للأبعاد الأكثر ثراء بالدروس وتلاؤما مع الحاجة إلى يقظة وعي مدني عالمي، والأكثر تشبعا بالأمل لكل هذه الشعوب الرازحة تحت أثقال اليأس. ويعرب أركون عن شكه في أن تضمن الحرب ضد الإرهاب بالطريقة المعتمدة بها غدا لهذه البشرية ولوجها إلى شرف العيش واقفة على قدميها على غرار تلك البشرية الأخرى التي تنظر إلى نفسها على أنها تجسيد الحريات والعدالة في العالم.

ويؤكد أركون في معرض معالجته النقدية لأسباب الحدث وردود الفعل عليه أن العمل الحقيقي إنما يجب أن ينصرف إلى تعزيز مكافحة الفقر ورفع مستوى قدرات الأمم المتحدة والعمل من أجل مأسسة العدالة الجنائية الدولية، مضيفا أن كل هذه النقاط هي كل ما يمكن وما ينبغي بصدده أن نكون نقديين جدا تجاه البلدان الأكثر نفوذا في الأسرة الدولية وخصوصا تجاه الولايات المتحدة التي لا تتعامل مع النظام الدولي إلا بالوسائل العسكرية متنكرة بعدم طرح إصلاحات على المدى البعيد لما تقوم به من ممارسات على المدى القريب، والمشكلة أن كل شيء يجري كما لو أنها تتصدى للأمور الأكثر إلحاحا دون أن تنتبه إلى واقع أن العنف البنيوي هو أفضل خميرة لنمو صراعات تستدعي تدخلات مستقبلية.

ويشير جوزيف مايلا إلى أن ما يطرح المشكلة فيما يتعلق بالتدخل العسكري على نحو ما جرى، ليس المقصد العام لهذا التدخل وإنما الطابع الأحادي في اتخاذ قرار التدخل، والذي وجد تعبيرا عن نفسه بعد حرب أفغانستان حتى مع تمريره من خلال الهيئات الدولية التي تهيمن عليها القوة الكبرى الضخمة في احتكار القرار من قبل العقيدة الأمنية الأميركية حول محور الشر، فهذه العقيدة تقرر ما هو خير وما هو شر وتحدد العدو وتضع التشريع حول العمل الذي ينبغي القيام به..

فالعدالة الأحادية الجانب هي عالمية كاذبة وتعكس تناقضا في المصطلحات. ويشير أركون في معرض ما يصفه التسميات غير الواثقة للشعوب التي تطحنها لعنة محور الشر، إلى أن تسمية الإسلام السهلة الاستعمال والمبتسرة تضم عينة واسعة وممثلة للجعبة المذكورة مضيفا أن ذلك يسيئ إلى الإسلام من حيث هو دين وحضارة وتقليد فكري، فهو يحرم أصواتاً كثيرة من حقها في أن تسمع لأن الانتباه كله مركز على بن لادن والقاعدة وحركات الإسلام السياسي.

وأما عن الحرب على العراق، فقد ذهب مايلا إلى أنها تنطلق من خيار سياسي وخصوصا من «تعسفية أخلاقية» تستثني جهات أخرى كلها بمستوى خطورة العراق، وذلك أن الحجج الحربية كلها إنما وضعت باسم الأخلاق الدولية. وفي معرض تساؤله حول الحداثة التساؤل الذي يراه يكاد متزامنا حول السلطة والطروحات التي تقدم بشأن أن بن لادن أخرج الإسلام من طوره وتلاعب بقيمه عبر تشويهها ينتقد مايلا الأنظمة معتبرا أن تشنجها في الدفاع عن الإسلام الحقيقي ردا على ما يتعرض له من نقد مجحف يعزز شرعيتها الدينية كما يدعم تعزيزها النظام البوليسي الذي تلجأ إليه كإجراء مبرر.

ويخلص الكتاب إلى أن حدث 11 سبتمبر أدخل العالم في حقبة جديدة من الممارسة المنفلتة للقوة وأنه ككل حدث كان فاتحة لبدايات لا تطالها الظنون.. فالدولة ذات الهيمنة الأكبر في العالم بات من الواضح أنها تحكم الآن دون أن تخفي نياتها ومشاريعها، كما أن موضوعة محور الشر هي قبل كل شيء تركيبة خطابية ذات هدف استراتيجي تهدف إلى الحشد السياسي ضد دول مسماة «شقية». وعلى ذلك فالرهان من جهته أكثر صعوبة وأكثر إثارة للنفوس وينصب على قدرة المجتمعات التي تواجه ذاتها بلا مرشد أو نموذج مسبقين غير تلك النماذج التي قد تولد من التقاء حضاراتها على توليد إنسانية جديدة فيما يتعدى الخوف وفيما يتجاوز الخير والشر.

عقيدة الحرب

يشير أركون إلى أن عقيدة الحرب العادلة أصبحت حجة صالحة لأن توضع في المقدمة في كل مرة يراد فيها إعطاء مشروعية مجلجلة للعمل الحربي الذي كان من الممكن الإعلان مسبقا عن أسبابه ومسوغاته السياسية أو الاستراتيجية الصرفة. ويؤكد ضرورة إشراك المزيد من البلدان وخصوصا من الجنوب في قرارات مهمة من نوع القرارات المتعلقة بتقرير مصير النظام العالمي.

المؤلفان في سطور

محمد أركون مؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام 1928 بمنطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر. وعُين أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون عام 1968 بعد حصوله على درجة دكتوراة في الفلسفة منها. يكتب أركون باللغة الفرنسية أو بالإنجليزية وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات من بينها العربية والهولندية والإنجليزية والإندونيسية. من مؤلفاته المترجمة إلى العربية: تاريخية الفكر العربي الإسلامي أو «نقد العقل الإسلامي»، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، الإسلام: الأخلاق والسياسة، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد. وأما د.جوزيف مايلا، فهو حاصل على دكتوراة في الفلسفة ومدير سابق لجامعة باريس، وهو مدير مركز الأبحاث من أجل السلام في باريس وله العديد من الدراسات حول حوار الحضارات وقضايا العولمة.

مصطفى عبد الرازق

الكتاب: من مانهاتن إلى بغداد

تأليف: محمد أركون وجوزيف مايلا

الناشر: دار الساقي بيروت 2008

الصفحات : 279صفحة

القطع: المتوسط