لا شك أن الفن الأفريقي بتشكيلاته الجمالية المختلفة هو وريث فلسفة خاصة به، نتجت عن معطيات دينية عفوية وطقوس اجتماعية لم تفترق عن هذا المعتقد البدائي وهو يهيمن على الجماعات الأفريقية بشكل طواطم تناسب وجودها مع العقلية البدائية التي كانت تحتفي بالظواهر الطبيعية وتخشاها بنفس الوقت. وجاء الفن تعبيراً عن هذه الأفكار السائدة موثقاً النوع الاجتماعي بثقافته الفطرية المهيمنة على روح الجماعة.

من النادر أن تجد في الفن الأفريقي ما يبعده عن الفن الفطري وبدائيته من رسوم وتماثيل وعناصر طقسية ترتبط بالدين وتتصل به على نحو ثابت ومعروف، فهذه سمات أساسية للفنون الأفريقية القديمة والمعاصرة ؛ والدين هنا طقسي شفاهي توارثته الأجيال الأفريقية وارتبطت بالأسلاف وتقديسهم، فالأفريقي يؤمن بقدرة الأرواح على أن تتماثل فيه لتنفعه أو تضره، ومادام الطقس الديني غامضاً إلى هذا الحد فإن أرواح الأسلاف الهائمة تحضر دائماً في هذا الخليط الغامض من الخير والشر، لذا فالطقوس الأفريقية القائمة على الرقص هي نوع من تقديس أرواح الأسلاف وهي نوع ديني بدائي لامفر من الإقرار به، وهكذا نرى الفن الأفريقي على تماس مباشر مع هذه الأفكار، ينهل منها ويتشظى بها كحافز تراثي وحضاري معاً في تقديم الصورة البدائية بوجهها الفني.

فن السحر: السنغالي «س. ديوب» هو وريث هذه النزعة البدائية، كثير الالتصاق بها حتى وإن نحا منحى تجريدياً في بعض أعماله الفنية، فالبيئة المحلية وتشكلاتها الغنية من أشجار وطيور ووحوش وغابات وأقنعة هي روافد أزلية تغذي الفن الأفريقي وتغنيه بالرموز والإشارات والدلالات، ولاشك أن هذا الفنان ورث ما هو قادر على استيعابة وتضمينه في رسوماته المختلفة، فكانت خطوطه ترمي إلى هذا الفن الموغل في حياة الكهوف وظلت الأقنعة مرادفة لأعماله، فالقناع هنا إخفاء الحقيقة خوفاً من السحر والسحرة، فالأفارقة لديهم اعتقاد شديد أنه يجب أن تظهر بما لست أنت ! أي عليك أن تخفي وجهك الحقيقي لكي لا يراك السحرة، بمعنى أن تفاصيل الوجه الحقيقية لا تمثل الحقيقة كاملة بسبب تغير الوجه بمرور الزمن أما القناع فهو ثابت لا يتغير،.

لذا فإن هذه الفلسفة أخذت حيزها الطبيعي في الإبداع الأفريقي على كافة المستويات الفنية والأدبية، وهذا الفنان هو الآخر خضع إلى الامتثال لهذه الفلسفة البدائية التي تقوم على التخفي الإجباري، فكانت الأقنعة ملاذاً لإخفاء الحقيقة وما يجري خلف القناع هو الحقيقة. ويرى الكثير من الباحثين في الفنون التشكيلية أن هذه الفلسفة أثْرت تجارب فنانينَ كباراً أمثال موريس فلامنك وأندريه ديران وبابلو بيكاسو وهنري ماتيس وأمديو موديلياني وأمدّتهم بفيوضات معرفية وفنية جمالية انعكست بشكل كبير على نتاجاتهم الإبداعية وهذا واضح برسومات الفنان العالمي بيكاسو..

صفائح لونية

كل الرموز والإشارات الضمنية في الفن الأفريقي تحولت إلى طواطم بدائية بطقوس لا توجد الا في القارة الأفريقية على وجه الخصوص وتحولت إلى عبادة، والفنان السنغالي «ديوب» يدرك هذا المزج التاريخي الشعبي السحري بفطرته أولاً وببنائه الفني ثانياً فنهج هذا المنهج المستوحى من اساطيرالسنغال وأفريقيا وما ترتب عليه من تداعيات جمالية كثيرة اكتظت بها لوحاته، لاسيما الألوان الحارة الصادمة التي حاول زجها بلوحاته التجريدية بتوازيات لونية تبدو وكأنها نافرة، لكنها تهدأ كثيراً لمجرد استيعابها واستيعاب فكرة الضوء والشمس والحرارة في القارة السمراء، وهو ما يميز هذه الأعمال من أنها خرجت من بيئة حارة تطلق صفائح متوالية من الضوء الساطع والحار. ترف لوني وزخرفة عفوية متتالية لفرض المزيد من الألوان على اللوحة.

تجريد فطري !

يعتمد السنغالي «ديوب» في مجمل تجربته على محورين أساسيين الأول التماهي مع الفن البدائي بلوحات قماشية منفرشة على مساحات غير محدودة وبخطاطات تجريبية متقشفة في ألوانها وخطوطها في مقاربَة فنية لمحاكاة اللون الفطري المنتشر في الفن الأسمر وتقريبه بمشاهِد مختلفة وزوايا نظر لا تتشابه ؛ أما المحور الثاني فهو الأقنعة وما يتوارى خلفها من طقوس وعبادات وأرواح، وهذه الأقنعة هي البارزة في اللوحة، محاطة بكثافة لونية شديدة السطوع.

يتحرك وراءها ما هو طقسي وديني غامض، وكأنما الفنان يتقمص أرواحاً متباينة في الحضور، فتجد لوحته لوحة قناع واضحة متشربة بالألوان الحارة وتنطوي على جرأة في استعمالها فالأصفر الفاقع والأزرق الفاقع وسواهما من الألوان لا يميل الفنانون إلى استخدامها على هذا النحو المباشر إلا أن هذا الفنان يعكس جرأته وهو يتقصى ألوانه بأعلى درجاتها حرارةً وقوة، وبالتالي يعكس جوا أسطورياً تفترعه التقاليد والأعراف في سياق سنغالي ـ أفريقي تحول من الخاص إلى العام. وفي هذين المحورين تنشأ تجربة هذا السنغالي ممتدة من البدائية إلى التجريد العفوي وبامتزاجهما يتشكل معرض فني لافت للأنظار.

الداجوبات

بدأ الفن السنغالي بما يسمى «داجوبات» والداجوبا ضريح قديم ذو قبة يشبه «أكمة المدافن» عند بوذيي الشمال، ثم تطورت «الداجوبات» حتى أصبحت معابد عظيمة تميز بآثارها العاصمة القديمة «أنوراذابورا» وقد كان مما أنتجه ذلك الفن عددا من تماثيل بوذا تعدّ بين أجمل التماثيل البوذية كما أنتج «تشكيلة» كبيرة من التحف الفنية، ثم بلغ ختامه مؤقتاً حين أقام آخر ملك عظيم حكم سيلان - وهو الملك «شِرِى راجا سِنْغا» - «معبد السِّنْ» في «كاندي»

وارد بدر السالم