يواصل الشاعر العراقي على جعفر العلاق في مجموعته الشعرية الجديدة «أيام آدم» توظيف أدواته الإبداعية من حيث الشغل على اللغة وتوليد صور فيّاضة بدلالاتها ورموزها؛ ترتبط بالحاضر، وتمتدّ عمقاً في الزمان. يوظفها شعرياً من خلال تفعيل المفردة في السياق المجازي المكثّف، لتبدو وكأنّها وحدة كلامية مستقلة، تشعّ باستقلاليتها فتبدو للقارئ كمحطّات متجاورة تضيء بذاتها، وبذلك فإن التجاور هنا سينشئ كلاماً يتراوح ما بين سرد إشاري وكثافة إنشائية، يربط ما بينها جميعاً إيقاع رمزي يعبّر عن أوجاع وآلام أو أحزان تتسع العالم.
ومن هنا، فإن المقاربة التحليلية اللسانية لنصوص على جعفر العلاّق ستكون أجدى فيما إذا أراد الناقد الغوص في النصوص واستخراج مكنوناتها وفكّ ألغازها. وقد عملنا أولاً على تصنيف أسماء الذات والمعاني والأفعال في نصّه المسمّى «أغنية المرآة» وذلك قبل التوقّف عند أية دلالة تقودنا في هذا الطريق أو ذاك، لنكتشف أن أسماء الذات المحسوسة تكمن في: العناصر الأربعة: الماء، الهواء، النار، التراب، فهي أساس الكون والحياة، وحضورها دائم في النصّ. وبالإضافة إلى ذلك ستأتي حواء بطيوبها وطيورها وتفاحها وخضرتها كعناصر إحيائية ينضاف إليها كلّ ما ينضوي في صنفها من عشب وأزهار وغير ذلك. يرصدها الشاعر واقفة إلى المرآة ربّما منذ الأزل، ترقب سيرورة الزمان وأثرها على الجسد.
وفي المقابل سيحضر آدم: العاري، المتوحش، الفوضوي، تملأه الرغبة، وقد عبّرت عن ذلك عدد من المفردات: العري، الوحشة، الأنين، الزمن، تيار، حنين، شهوة، اشتهاء، أنثاه، فوضاه.. ثم تأتي الأفعال لتستكمل عملية البناء النصّي وتبيان حالة اللقاء أو الافتراق، أو الما بين بين: يشتعل، يندلع، داعبت، تتخطّى، تغني، مسّت، أحضن، أشمّ، اشتعلنا. ولن نخذل القارئ إذا قلنا إننا انتقينا هذه المفردات بقصد منا للوصول إلى استنتاج ما، إلاّ أنها في الوقت نفسه مفردات ترددت بكثرة في سائر النصوص، من جهة، وقد استدعت بنائية النصّ لديه ترتيبها في داخل أحد نسقين دلاليين: الإنشاء المتمثّل في النداء بغرض الإجلال والتعظيم، أو الاستفهام المعبّر عن قلق يتعاظم في ذات السارد أو المغنّي، فيما إذا اعتبرنا النصّ بمثابة أغنية ومن ذلك: ما الذي يشتعل الليلة/ في تيّارك الغامض/ يا ماء المرايا..
كلام افتتاحي مكوّن من نداء واستفهام يحتاج بطبيعة الحال إلى إجابة، وقد تتأخر هذه الإجابة حتى انتهاء النصّ، أو أنه سوف يعزز ذلك بمزيد من الأسئلة التي سوف تضيء البنية النصّية قليلاً قليلاً: «ما الذي يبتهل الآن/ قميص النوم؟ أم جمر الجسد؟»
ثمّ يأتي السرد الإخباري الموجز: قامت/ دخلت في فضّة المرآة/ لا/ بل فضّة المرأة/ بل ماء/ وجمر/ وزبد/..»
ليعود بعده إلى السؤال: ما الذي يندلع الليلة: عطر الروح؟ أو ضوء الجسد..»
ولنلحظ هنا الربط ما بين: فضة المرآة، وفضّة المرأة، والماء كتشاكل بصري، وما بين: عطر الروح الجسد كتباين إيجابي، ولكنها جميعاً تفعّل الأحاسيس: البصر، الشم، الملامسة، في لحظة زمنية تمّ تحديدها مسبقاً في الاستهلال: بـ «الليلة»..
إذاً: ليل، وامرأة، وفضّة ومرايا، وعري، وقمر، وعطر، وتفاح هائج، وكلّ ذلك ما زال الشاعر في إطار السرد، إذ ليس ثمة حدث قد حدث، فالرجل: آدم، والمرآة حواء ما زالا يحافظان على المسافة ذاتها من البعد، ومن يتكلّم هو السارد، وكلاهما يؤدّي دوره بصمت، إذ تكفي حركة معينة لإيصال دلالة ما، أو إحضار رمز ذي بعد يرتبط بالذاكرة الجمعية: كالتفاحة وحكايتها الشهيرة مع حواء وآدم، لنتّجه باستقامة نحو فعل الإغواء:
«حواء تغنّي: جسدي/ مرآة هذه النشوةِ/ المفترسة،
فالنشوة هنا وحش يفترس، ثمّ تأتي الريح كي بنيرانها توقظ الرغبات:
«أيّ ريح/ أيقظت نيرانه الخضراء/ في الليل/ ومسّت جرسه؟»
«أشمّ الريح/ يهمي/ عُريها الكامن في الريح/ أرى ماء المرايا/ مائجاً فينا/ كلّنا الآن مراياها..»
وعلى هذا النحو سنرى أن البنية النصّية للقصيدة ستتألف من مجموعة من العناصر، يأتي في مقدّمتها بطبيعة الحال الإيقاع ذو البعد الدلالي، والمفردة المقصودة بذاتها، والاستعارة وتراسل الحواس، ولكلّ عنصر من هذه العناصر حضور فعّال في النصّ يمتزج مع عاطفة الشاعر تجاه الكائن والأشياء؛ تلك التي يناديها على طريقته في التعبير، كي تنوجد لتؤدي دوراً يسعى إليه، وبمجيئها ستجلب معها ما يلزمها من أشياء إضافية، وكلّ ذلك في تلاحم حميمي وخلاّق، وبالتالي لن يعود مهمّاً انتظار الإجابات، إذ كلّنا يعلم أثر السيرورة الزمنية وعطالة الجسد، والمصير الذي نتّجه إليه:
«كيف عاث الزمن/ في الروح/ وأزهار الجسد/ سوف نمضي/ كلّنا/ نمضي/ كما الريح/ ولن يفلت طير/ أو أحد..»
وقد يعزز نصّه المسمّى «أيام آدم»، والذي جعله عنواناً للمجموعة بدلالته المرتبطة بالتفاحة الشهيرة، بعضاً مما ذهبنا إليه من رؤية الشاعر لتشكّل الذات الإنسانية عبر الرغبة التي وحّدت بين الطرفين، ليبدع في استحضار العناصر السالفة أعلاه وترتيبها، كي ينشئ عالمه أو فضاءه: آدم الذي شاع في الريح عطر رجولته، والمرأة التي جعلت من يديه إلهين، ثمّ استحالت بسحرهما «امرأة من لظى وحرير..» امرأة تتماهى بالطبيعة، أو تماهت الطبيعة بها، لا فرق، «مبتلة برنين الينابيع»، و«عند زهر أنوثتها..أ..ن..ح..ن..ي»، امرأة ما انفكّت منذ أقدم الأزمان تدرك كم بائس وحزين هذا الآدم، فتعالج أحزانه كما فعلت شهرزاد بالطاغية المتغطرس شهريار، فالحزن لا يأتي إلاّ من الرتابة والتكرار، والمرأة هي الكائن الاستثنائي الذي ستملأ حياته بفضّة الجسد، وعطر الليل، والصهيل الجارح:
«وتدنو السيّدة،/ تنحني/ فوق شظايا روحه/وإلى أوردتها/موقدها المبتهل الريّان/ تدعو/ جسده..(من نصّ امرأة).
في نصّه الطويل «وردة الحلم.. وردة الجسد» يتكئ الشاعر على السرد كي يعاود إلى سيرة آدم وحواء، حيث تبدأ الحكاية من منتصفها ب«بعدما هدأ البحر.. وانحسر الموج عنّي» كإشارة منه إلى أن حدثاً ما أو فعلاً سابقاً قد تمّ قبل أن يجد نفسه في البحر متشبثاً بـ «خشبة»، بينما الأمواج تدفع به نحو الشاطئ.. وهاهو الآن يقترب من «وردة الأرض» التي يمكن الاستنتاج بأنها «حواء» التي مازال يتبعها منذ «بدء الخليقة».
مؤكّداً عبر عدة استفهامات سرّ هذه العلاقة الجدلية بين متناقضين لن يكتملا إلاّ باتحادهما، وما بين حادثة التفاحة الشهيرة، ومساء هذا اليوم الذي رمت به الأمواج على الشاطئ؛ حكاية طويلة سيسردها الشاعر موظّفاً تقنيات حكائية وبلاغية مختلفة، كي يكشف أسرار هذه العلاقة سواء عبر التجوّل في الماضي أو في ما يجري من وقائع ذات صلة بالذات الإنسانية، وهي تعاني من ليل طال، والليل إلى ذلك، ما انفكّ يرسل طائراته كي ينهش الذات والشجر والعشب..
لقد ضاقت ذات الشاعر من القسوة والعنف والجهل وكل ما ينتسب إلى عالم الظلمات، وفيما سيبدو للقارئ أنه لا سبيل للتغلّب عليها سوى بالعودة إلى نقاء الذات من الشوائب التي عصفت بها لدى نزولها واستيطانها الأرض ومعايشتها البشر، ومن ثمّ العودة إلى الحبّ النقي الخالص، وبتعبيره «الملاذ الأخير»، فمن يصغي؟!
سيرورة الزمان
يرصد الشاعر علي جعفر العلاق حواء واقفة إلى المرآة ربما منذ الأزل، ترقب سيرورة الزمان وأثرها على الجسد، وفي المقابل يحضر آدم: العري، المتوحش، الفوضوي، تملأه الرغبة، وقد عبرت عن ذلك عدد من المفردات: العري، الوحشة، الأنين، الزمن، تيار، حنين، شهوة، اشتهاء، أنثاه، فوضاه.. ثم تأتي الأفعال لتستكمل عملية البناء النصّي و تبيان حالة اللقاء أو الافتراق.
عزت عمر
