غيب الموت الأسبوع الماضي المفكر والناقد المصري محمود أمين العالم، الذي يعتبر واحدا من أبرز المفكرين الذين تركوا بصمة واضحة في منهج النقد الأدبي العربي وكان بامتياز واحدا من النقاد الذين بشروا بما يسمى بالأدب الواقعي وكان أيضاً وأيضا من القلائل الذين يملكون رؤية للأشياء والذين مارسوا العمل الثقافي المتعدد الزوايا والاهتمامات ويجمع بين عدد من المتناقضات فهو حسب قوله (شيوعي ومؤمن يتمسك بتعاليم دينه ومتصوف ويؤمن بالفلسفة الوجودية)..
كانت آراء الراحل محمود أمين العالم السبب الرئيسي في الكثير من المشاكل التي تعرض لها وبسببها تعرض للاعتقال أكثر من مرة وطبق عليه (قانون العيب) في عهد السادات ونزعت منه الجنسية.. ورغم ما لاقاه العالم في الحقبة الناصرية من ضغوط إلا أنه يصر على أن عبد الناصر كان يحمل حلما عربيا قابلا للتنفيذ، وأنه حقق لمصر وللوطن العربي مالا يمكن تحقيقه في أي وقت. وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه «مسارات» مع الراحل محمود أمين العالم قبل وفاته وطغى عليه الهم الإنساني والوطني والقومي في وقت يتعرض فيه الفلسطينيون في قطاع غزة حاليا لأبشع عملية قتل جماعي تنفذها ضدهم قوات الاحتلال الإسرائيلية:
كيف ترى الواقع السياسي العربي؟
الحقيقة أننا في مرحلة دارجة من التخلف والسوء، وحكمي عليها إنها انزلاق نحو النظام الرأسمالي الأميركي، فكافة المشاريع الايجابية العربية يتم تفكيكها، وأصبحنا نبحث عن اللقاء مع إسرائيل، ونشارك كل دولة مشاركة غير موضوعية، بل ونساهم في تحقيق الأطماع الإسرائيلية والأميركية في المنطقة كتلك الجرائم التي تحدث في العراق أو فلسطين ويتم السكوت عليها.. لقد وصل الأمر إلى قول بعض الكتاب «مالنا والعرب».. وبذلك ازداد التخلف وظهرت محاولات تحسين العلاقات الخارجية وهو ما يؤدى إلى مزيد من الانزلاق.
هل تتوقع استمرار هذه الأوضاع المتردية؟
بالطبع... فالسياسة الرسمية أصبحت أداة في يد السلطة المهيمنة العليا... ومازال التخلي عن المشاريع الوطنية مستمراً، وهناك نكسة كبيرة للديمقراطية.
هل العلاقات الخارجية مع بعض الدول الكبرى أصبح بديلا عن عدم وجودها مع القوى الداخلية؟
المقصود من هذه العلاقات هو إعطاء جو من التفتح العالمي لإخفاء التبعية المباشرة للسياسة الأميركية الصهيونية والقضية هي جوهر السياسة وما هو (الجرح) الأساسي في سياستنا الخارجية والثقافية وحتى الصحافية، فالمشروع الأميركي والصهيوني في المنطقة ينمو على حساب التنمية السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية، وهناك انقطاع بين بلاد العالم العربي، والدخول في مرحلة الهيمنة الأميركية في العالم العربي، والعلاقات العالمية ديكورية إلى حد ما وليس لها عمق بل تجميل وتكوين لجوهر السياسة وهو الجزء المخطط بالنسبة للسياسة الأميركية.
وما النتائج المترتبة على ذلك.. من وجهة نظركم؟
تستعيد الدول العربية الآن أحوالها أيام الاستعمار الانجليزي، فأميركا وبدون جيش تسيطر وتتوغل وتهيمن.. وجزء من المشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة هو على حساب الوحدة العربية وخطط التنمية المستقبلية والاستقلال الوطني والديمقراطي الذي كان يتنامى في المرحلة الأخيرة من حياة الزعيم جمال عبد الناصر.. أيضاً من نتائج ذلك سيطرة الأنظمة الحاكمة على الدول والتردي في كافة المجالات..
هل ترى في ظل هذه الأوضاع.. أنه مازال هناك تواجد لحلم القومية العربية؟
حتى الآن.. لا يوجد حياة لأي بلد عربي إلا بالقومية العربية، فقوة لبنان وسوريا وفلسطين وغيرها مرتبط ببعضها البعض رغم أننا أصبحنا في سياستنا أعداء للوحدة ووقفنا جنبا إلى جنب مع أميركا وإسرائيل نحن كتلة حضارية ليست بالتناقض مع العالم ولكن كقوة من قوى العالم المتقدم.
وماذا عن السوق العربية المشتركة؟
لكي تتحقق السوق العربية المشتركة لابد من وجود أداة عربية للتوحد وكان لي محاولة مع عدد من المثقفين لإنشاء «جامعة الشعوب العربية» وليست جامعة الدول، من خلال عدد من المثقفين تضم كل الفلاحين والعاملين والمصريين، وبالتالي نعمل جامعة الشعوب العربية وليست الدول، فالمعول عليه هي الشعوب وللأسف هي مخدوعة بالتلفزيونات والإعلام المضلل.
هل ترى أن هناك بصيصاً من الأمل في ظل هذه الحالة المزرية التي نعيشها؟
دائما أنا مريض بالتفاؤل.. والحقيقة أن هناك تحركاً للشعوب لكن يقابله تصدي »للبوليس«، حتى المظاهرات الصغيرة التي تتم دائما هي محاصرة ومحصورة فالشعوب لم تعد هي الشعوب.
كيف نشأت في عائلة أزهرية ثم انتقلت إلى الشيوعية؟!
بالفعل أنا من عائلة أزهرية، فوالدي كان وكيل الجمعية الشرعية بالدرب الأحمر، وكان أخي الكبير ضريراً يدعى الشيخ «أحمد» وكان طالباً بالأزهر وحصل على العالمية، وكان فضله على كبيراً جداً فقد قرأت كل كتبه في الفقه والتفسير وهو ما احتجت إليه كثيرا أثناء تدريسي في باريس المهم إن أخي مات وأنا مسجون في سجن «أبي زعبل» أما أخي الثاني فهو محمد شوقي كان طالباً أزهرياً وكتب كتابا بعنوان الأزهر فوق المشرحة وطالب فيه بتصحيح أحوال الأزهر وهاجم كل سلبياته ففصل منه ولكنه كان متفقهاً في اللغة فدعي إلى إنشاء مجمع اللغة العربية وكان من أوائل الناس الذين عينوا فيه وأصبح من أهم شخصياته وحينما اختاروا بعض الخالدين وهم الذين عملوا على الحفاظ على اللغة العربية كان هو من أبرزهم.
وفي الواقع إن إخوتي لهم فضل كبير على فأخي الضرير أحمد هو الذي قرأت كتبه في الفقه والتفسير والحديث وحينما كنت أستاذاً في إحدى جامعات باريس بعد فصلي من جامعة القاهرة ظهرت حاجتي الماسة إلى هذه القراءة والدراسة وهو ما قمت بتدريسه هناك أما أخي الثاني فكان أديباً وكان سبباً في معرفتي بعدد من الأدباء وحينما انتهيت من دراستي في كلية الآداب قسم الفلسفة انتهيت من الفقه الإسلامي إلى التصوف الإسلامي وأحببت كثيرا ـ ومازلت ـ من رموزه وكتابه من بينهم: ابن عربي وابن باجة وكنت أعني بالتصوف هو الحب والرؤية الصوفية للحياة الدنيوية على التداخل بين الأشياء والروحانية في الحكم وليس الرؤية الميكانيكية..
وفي نفس الوقت قرأت عن «الوجودية» وسارتر وغيره.. أما نيتشه فهو الذي «جننني» وأصبحت نيتشاوي جداً وبشكل «سخيف»، وأتذكر أنني ذات مرة ارتكبت فعلاً ـ بدعوى أني نيتشاوي يؤنبني عليه ضميري حتى الآن فقد كنت في «الأتوبيس» لا يوجد فيه سوى مكان واحد فقط خالياً ولا يقف سوى سيدة وأنا وتسابقنا عليه ووصلت إليه وجلست أولا وظلت هي ومن في الأتوبيس ينظرون إلى بغرابة وأنا أقول داخلي: «أنا لا أحب الضعفاء طبقا لنيتشه وكنت حزيناً جدا من تصرفي.. ومن خلال نيتشه اكتشفت «الوجودية» النيتشوية... وهى الأنا والذات والمعايشة.. ورغم أن أهلي كانوا يرغبون في دخولي قسم اللغة العربية إلا أني صممت على دراسة الفلسفة وكان أستاذ الوجودية في هذا الوقت هو د. عبد الرحمن بدوي، وأصبحت تابعاً له رغم شراسته في تعامله بالوجودية الجافة وهو الذي جعلني اكتشف إن التصوف مبنٍ في جزء منه على «الوجودية».
تؤكد دائما على إيمانك المطلق...فأين تأتي الحساسية بين الإيمان والماركسية أو الشيوعية؟
بدأت الحساسية حين قامت الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وكان على رأسه إمبراطور وسيطرة كاملة للكنيسة فكان الشغل الشاغل للاتحاد السوفيتي هو ضرب الكنيسة وإبعادها عن السلطة ومن هنا جاء الاتجاه العام أن الحركة الشيوعية ضد الدين وأؤكد أن الحزب الشيوعي ليس ضد الدين بدليل انه عند تأسيسه في الإسكندرية كان عدد كبير من أعضائه من مشايخ الأزهر وحينما كنا معتقلين في منطقة الواحات وجدنا منطقة قريبة من المعتقل وظللت لمدة عامين ادرس المنطق والفلسفة للطلاب في المنازل وأعطي دروسا خصوصية وأساعد السودانيين الذين جاءوا إلى القاهرة للدراسة في هذا التخصص وكنت في هذا الوقت اكتب مقالات في الأدب والفلسفة والنقد من زاوية ماركسية.
هل مازلت ماركسيا؟
بل شيوعي..
ولكن قوى اليسار لا وجود لها الآن؟
قوى اليسار تفككت بعد إلغاء الحزب الشيوعي، فقد اشترط الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كي يفرج عنا من معتقل الواحات أن يفكك الحزب وبالفعل ألغي وتصالحنا معه واتفقنا على تحقيق ما نريده من إصلاح.
كنت مناهضاً لاتفاقية «كامب ديفيد» ورافضاً لها.... فهل تغير موقفك الآن؟
قبض علي في عام 1971 مع غالبية وزراء عبد الناصر ودخلت سجن القلعة ولي ديوان شعر كامل كتبته في هذا السجن تحت عنوان «قراءة لجدران زنزانة» وبعد فترة خرجت منه وجاءتني دعوة من «أكسفورد» لأدرس فيها فسافرت إلى باريس في هذا الوقت عقدت اتفاقية كامب ديفيد وكنت قد تعرفت على اللواء سعد الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري والمتهم بالهزيمة.
وكانوا قد أخرجوه من الجيش وعين سفيرا لمصر في انجلترا فاستقال وقابلته في الجزائر وكونا جماعة من الفرنسيين والمصريين والسوريين لمناهضة الاتفاقية وعدم الاعتراف بإسرائيل وهنا أصدر السادات قانوناً معيباً يطلق عليه «قانون العيب» الذي جردني من حقوقي المدنية والاجتماعية فلم يعد لي جنسية ولا من حقي أن أؤلف كتباً أو أصوت في البرلمان أو غيره كما تم فصل زوجتي المذيعة «سميرة الكيلاني» من التلفزيون المصري وبعد موت السادات رجعت إلى البلاد مرة أخرى، وألغي القانون ومازلت وسأستمر في رفض الاتفاقية حتى آخر العمر.
العالم في سطور
* ولد الراحل محمود أمين العالم في 18 فبراير من العام 1923 في حي الدرب الأحمر في القاهرة.
* تخرج في قسم الفلسفة في كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا).
* حصل على درجة الماجستير من كلية الآداب عن موضوع «فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية» وسجل بعدها بحثا للدكتوراه حول الضرورة في العلوم الإنسانية.
* تنقل العالم بين جامعات أكسفورد وجامعة باريس وعمل في الأخيرة مدرّسا للفكر العربي.
* بعد استقالته من الجامعة الفرنسية عاد إلى مصر عام، 1984 وتفرغ بعد عودته لإصدار كتاب غير دوري هو «قضايا فكرية».
النص المفتوح
نعت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية المفكر والكاتب المصري محمود أمين العالم الحائز على جائزتها في حقل الدراسات الإنسانية والمستقبلية ـ الدورة الثامنة، وعلى مجمل أعماله ونشاطه الفكري.
فأعماله كما جاء في بيان النعي: «تكشف عن وعي فكري وفلسفي واجتماعي متميز، في معالجة قضايا التنوير والحضارة، إضافة إلى أهمية دفاعه المستمر عن الثقافة العربية ومحاولاته الحثيثة لتطويرها. فقد بنى محمود العالم جسوراً بين فكر النهضة العربية والمرحلة التاريخية التي يعيش فيها، وقد جعل خطابه نصاً مفتوحاً على الآخر بحيث يدعو إلى حوار دائم بين جميع الأفكار والحضارات في العالم. وحظيت أعماله بانتشار واسع وبتأثير نوعي متميز أدى إلى تأسيس منهجي لمشروع فكري معاصر في الثقافة العربية، يجمع بين إنتاج المعرفة ونقدها، في السياق الذي يخدم الإنسانية عامة وخاصة».
مؤلفات وجوائز
أصدر الراحل محمود أمين العالم عددا من الكتب في مجالات النقد الأدبي والفلسفة والفكر عامة، كما صدر له ديوانان شعريان، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام، 1998 وكان من أبرز مؤلفاته: «ألوان من القصة المصرية»، «في الثقافة المصرية» بالاشتراك مع الدكتور عبدالعظيم أنيس، 1955 «معارك فكرية»، 1970 «الثقافة والثورة»، 1970 «تأملات في عالم نجيب محفوظ»، 1970 «فلسفة المصادفة»، 1971 «هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود»، 1972 «الوجه والقناع في المسرح العربي المعاصر»، 1973 «البحث عن أوروبا»، 1975 «الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر»، «الماركسيون العرب والوحدة العربية»، «الفكر العربي بين الخصوصية والكونية»، «مواقف نقدية من التراث» من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل».. مساهمة في بناء نهضة عربية جديدة المستقبل العربي، 2001 كما قدم للمكتبة العربية عشرات الدراسات والمقالات والمحاضرات في مجلات مصرية وعربية وأجنبية.
سباعي إبراهيم

