تُظهِر البصمة الدورَ المحوري لها في الحياة الشخصية للمرء، إلى درجة أنها تمثّل الذاكرة البصرية والمعرفية التي تميّز صاحبها عن الآخرين إذ لا مفر من البصمة، فهي حضور الشخص ولو كان في حالة غياب لحظة أخذ بصمته، سواء من خلال بطاقته الشخصية أو في معاملة حكومية وما شابه، وخصوصاً في الإجراءات الأمنية المشدَّدة والمتبعة عالمياً راهناً. البصمة واقعاً هي عين الجسد الناطقة، الشاهدة على صاحبها، عرافته الكبرى من الداخل، ولا مجال للطعن في شهادتها، فمن يطعن في شهادة البصمة ينكر حقيقتها، والحقيقة هي ما قرَّرته!

لكن، لماذا التخوف من البصمة ودورها المستجد في حياتنا الراهنة؟ ألم يكن يُشار وما زال، إلى أن صاحب الأثر الفكري أو الإبداعي أو الفاعل الحقيقي في مجتمعه، هو الذي يترك بصمته التاريخية أي يبقى متمايزاً؟ إن ذلك إجراء أمني من نوع آخر، حيث يكون في وسع المعنيين بالعمل الفكري والإبداعي، التأكيد على حضور تمايزي لأي كان، من خلال آثاره، وكل أثرٍ فاعل هو بصمة، أو مكوّن لها وفيها، وهذا يتوقف على المقدرة الثقافية والبحثية للمختص.

المفارقة تبقى قائمة هنا، بين الخوف من المترتَّب على البصمة في الحالة الأمنية، وهي تشمل الجميع في مسحها العضوي الكيمياوي، فلا مجال للتزوير من خلال إقدام أفراد معينين لارتكابات جنايات معينة، يمكن تتبع القائمين بها، والخوف من حقيقة اكتشاف البصمة ذات الصلة بالتمايز الثقافي أو الأدبي أو الفني، إثر تحريات معتمدَة بالتزام أدلة مساعدة، والتجنّي في الحالتين واحد نوعاً ما، مثلما أن معرفة حقوق الفرد الواحد من الناحية الأمنية، وبراءته مما ينسَب إليه ظلماً أحياناً، ومن الناحية الثقافية وغيرها وحفظ حقوقه، بعدم انتحالها أو تحويرها، تظل حالة خصوصية. التكوين البيولوجي الإلهي الطابع هائل التنوع والحياة هكذا، حيث البصمة واقعاً تتراوح بين الأثر العضوي والأثر الرمزي، فالمادي والمعنوي يتداخلان بما أن البصمة تقول شهادتها سواء لصالح صاحبها أو ضده من خلال المفعول الرجعي لأثره!

الفارق بين الأثرَين جدير بالتنويه، وهو أن صفة البصمة في كمال تكوُّنها تتأكد منذ بداية تشكل الكائن الحي، وإلا لما أمكن ظهور إنسان مختلف بإمكاناته وقواه بينما في الحالة الثانية، أي الإبداعية بتنوع مجالاتها، فتكون حلقات متكاملة لا تتوقف مدى الحياة، وربما يكون تمايزٌ في هذا الحقل، أي تميز البصمة من خلال عمل: فكري، أدبي، فني، وبعد ذلك يكون تكرار أو تفاوت أو توسع، ولكن ما يجدر التنويه إليه، وتحديداً من خلال مفهوم البصمة، هو سهولة معرفة ما وراء البصمة، بما أن البداية المتميزة هي التي تتعقب التالي عليها( إنه يكرر تجربته، يوسع، يتخلى أو يتراجع عنها...الخ، كما يقال لحظة المقارنة)، فثمة أصل وثمة استنساخ ما، أو كما يسمَّى ب( سمولاكر)، فالبصمة العضوية مرافقة، أما الإبداعية فإنشاء شخصي متتابع دائماً.

بالتوازي، يمكن القول أن كل خلاف للبصمة، ينفيها، يستحيل وصمة، وقوعاً في اللامعنى!

في متن الحكمة الكبرى التي تسردها خاصية البصمة، حيث بالكاد تؤخَذ بعين الاعتبار: لو أن المعنيين بأمور التربية وبناء شخصية الطفل، راعوا خاصية البصمة العضوية، لتبيَّن لهم أنها تحمل معها رسالة ذات دلالة مذهلة، وهي أن تمايزها يعني إمكانية تمايز صاحبها بالذات، لو أحسن تدبيره منذ الصغر، وبالتالي لأمكن إبراز مقدرة مرافقة لتلك التي تميّز عضويته، أي لكان هناك مجتمع إبداعي بامتياز، وهذا ما نتلمسه أحياناً ولو بنسبة معينة، في بعض المجتمعات التي تفاجئنا بإنجازاتها العلمية، وروائعها في الفكر والفن والأدب.

فالبصمة الإلهية تمايزٌ في المطلق الإلهي،أما البشرية فهي سعي إلى تحقيق التمايز بقدرات لازمة عبر اعتماد البصمة الطبيعية، وليس البصمة «القطيعية»، كما هو معروف طبعاً. وفي وسع علماء المورّثات أن يكتشفوا الكثير حتى من خلال البصمة ولا استنساخيتها، إذ يمكن تلمس ما يصبُّ في صالح كلٍّ من الفرد والمجتمع، بتحديد نوع الإبداع المستقبلي ورعاية شروطه، وفي الحالة هذه نكون في نطاق مدينة البشرية الفاضلة إنما في منحى مغاير عما يُعرَف عنها!

إبراهيم محمود