في رائعته «مائة عام من العزلة» يستقدم ماركيز الكثير من المنسي والمهمل في الحياة اليومية، لاسيما المهمل في الذاكرة الاجتماعية الذي بات قديماً في مُضي الحياة إلى آفاق أخرى، ونذكر هنا قريته الشهيرة ماكوندو التي حفلت بالكثير من الرؤى العجيبة من سحرٍ وطقوسٍ وعوالم غريبة، ولا شك أن دخول «الكاميرا» المحمولة بصندوقها الأسود أثار هلع سكان القرية بوصفها صندوقاً سحرياً تسكنه الشياطين! ولم يدرك الماكوندويون ان عصر الصورة قد بدأ في قريتهم وأن هذا الصندوق العجائبي سيكون أرشيفاً وطنياً لهم ولأجيالهم اللاحقة.

منذ القديم كان الإنسان يستخدم شتى الوسائل للتعبير عما يحيط به من ظواهر طبيعية فأنشأ طقوسه وطواطمه ودياناته البدائية وبالتالي رسمها بالفحم والحجارة على جدران الكهوف لتوثيقها والحفاظ عليها ومن ثم وصلت إلى العصور التالية كوثائق صورية اهتم بها الدارسون من آثاريين ونقاد فن ومهتمين بتطور الحضارات الأولى. فالصورة الأولى «رسمها» الإنسان الأول معبراً فيها عن شكل الطوطم الذي يعبده وهذا الأخير عبارة عن شكل ديني أولي قاد الإنسان القديم إلى معرفة الكثير من ظواهر الطبيعة، لكن الصورة القديمة التي بقيت كانت هي الرسم الأول الذي أنتجه إنسان الكهوف.

ما بين هذا الإنسان البدائي وإنسان قرية ماكوندو بصندوقها المحمول كانت هناك طفرة علمية عظيمة في مجالات الحياة حتى وإن بدا إنسان القرية الكولومبية بدائياً تتأصل فيه ظواهر السحر والديانات الأولى ؛ وحتى في قريتنا العربية لا نزال نتذكر «الصورة المائية» التي تغلفها أسرار كبيرة لم تنجدنا فيها مداركنا البسيطة وقتها في تفسير كيفية ظهور صورنا على ورق أبيض، فالمصور كان أشبه بالساحر عندما كان يمد يده في الصندوق الأسود ولا نعرف ماذا يفعل حتى تظهر أشكالنا مجسدة كما هي قبل لحظات من التصوير، ولعل هذا المصور الجوّال هو من أقدم بقايا الذاكرة فينا لأنه ارتبط عندنا بمفهوم غيبي شبيه بالمعجزة الفورية التي يقدمها أمامنا بلا مكرِ.

تاريخية عصر الصورة الفوتوغرافية

يُعد القرن الثامن عشر قرن الإنجازات العلمية والمبتكرات الفنية التي أضاءت للإنسانية طرقها المظلمة نظير ما وفره العلماء من تقدم كبير في المجالات الإنسانية والعلمية ؛ فعصر الصورة أدهش إنسان القرن الثامن عشر وتدلنا المصادر على أن العالم كان على موعد مع الفرنسي جوزيف نييبس عام 1827 حيث أنتج أول صورة فوتوغرافية في العالم. وكانت فتحاً فريداً وحدثاً مهماً ؛ لكن لهذا الحدث بداياته وتاريخيته منذ أيام أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد عندما لاحظ ما يعرف بالستينوبية وهي الصورة التي تتشكل حينما تمنع دخول الضوء لغرفة ما مع السماح لحزمة ضوئية بالدخول عبر ثقب صغير لا يتجاوز المليمتر الواحد ثم تضع ورقة بيضاء على بعد عشرين سنتيمتراً من الثقب.

في تلك الحالة سيكون المنظر الخارجي قد ارتسم على الورقة بشكل مقلوب وغير واضح لكنه معروف المعالم، وعرفت فيما بعد بالغرفة المظلمة وهو اسم إيطالي فاستغل الفنانون الإيطاليون هذه الغرفة في القرن السادس عشر لعمل لوحاتهم فليونارد دافينشي أوصى بمراقبة تلك المشاهد التي ترتسم داخل الغرفة المظلمة، وبعد مرور خمسين سنة أدخلت بعض التحسينات على الغرفة ليزداد وضوح الصورة فاستخدمت العدسات التي كانت تستعمل لتصحيح النظر وكذلك إدخال الحدقة وعندما أيقن الفنانون بأن هذه الغرفة سوف تساعدهم على تحسين مستوى أعمالهم بدأوا يفكرون في غرفة مظلمة متنقلة.

وبالفعل تمكنوا من عمل ذلك وكانت تلك هي المرحلة الأساسية للآلة الفوتوغرافية. مع ذلك التطور لم يحاول أحد أن يثبت تلك الصورة بشكل دائم، إلا أن عالم الطبيعيات الألماني جوهان شولتز الذي اكتشف أن آثار الفضة تتحول للون الأسود إذا تعرضت لضوء ساطع، لكنه لم يتمكن،حتى جاء العالم الفرنسي جوزيف نييبس واستخدم مادة زفت الجليل التي من خواصها أنها تتصلب وتصطبغ بالبياض عندما يسلط عليها الضوء.

وفي تلك الأثناء قام جوزيف برسم صورة على قطعة من الزجاج ووضعها على صفيحة دهنت بالزفت ثم وضع الكل تحت أشعة الشمس لمدة ثلاث ساعات ونتيجة لذلك حصل على صورة صلبة ودائمة مخترعا بذلك نوعا جديدا من الفن اطلق عليه اسم «التصوير الشمسي» وبعد نجاح هذه العملية قام جوزيف بدهن قطعة من القصدير بمادة زفت الجليل ثم سلط عليها منظرا كان يراه من غرفته لمدة ثماني ساعات، وهكذا حصل على أول صورة فوتوغرافية في العالم.

وفي عام 1837 استطاع الفرنسي «لويس واغير» ثتبيت الصورة المنتجة داخل الغرفة المظلمة بواسطة ملح الطعام وأطلق على اكتشافه اسم النموذج الداغيري، وبعد ذلك الاختراع صرح الفنان بول دي لاروش بقوله «مات فن الرسم اعتبارا من اليوم» وفي عام 1835 تشكلت أول صورة سلبية في العالم على يد عالم الرياضيات الإنجليزي فوكس تابلوت، ولم يكن على علم بالنموذج الداغيري ونتيجة لذلك طالب فوكس بكتاب وجهه لفرانسوا راغو بأسبقية أعماله على أعمال داغير، وتابع فوكس أعماله وحسن من طريقته حتى حصل على شهادة للاختراع الذي أطلق عليه اسم الكالوتيب.

من ذلك التاريخ أضحى التصوير في متناول الجميع عندما بدأ تصنيع الآلات الصغيرة القابلة للحمل والتصوير بها مباشرة دون الحاجة للحامل لكي تثبت عليه، وظهرت كذلك الآلات الصغيرة جدا التي تخبأ في يد عكاز أو في إطار ساعة أو كتاب... إلخ. وعرفت تلك الآلات باسم «آلات المخبرين» وبعد إصدار آلة كوداك عام 1888 قال جورج ايستمان كلمته المشهورة: «اضغط على الزناد وعلينا البقية».

التصوير في المنطقة العربية

في منطقتنا العربية لا يبدو تاريخ التصوير حاضراً بشكل جدي، فالغرب الذي اكتشف آلة التصوير هو الذي وثّق الكثير من الأحداث العربية السياسية منها والاجتماعية والسياحية عبر الهواة والرحالة والمستشرقين، ودخل فن التصوير الشمسي بلاد العرب في ذروة التنافس البريطاني ? الفرنسي بصورة خاصة، لاقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية، وكانت غزوة نابليون لمصر وسوريا العام 1898 شكلت بالنسبة إلى الأوروبيين بداية مرحلة جديدة من النشاط الاستعماري في المنطقة العربية عبر عنها الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو سنة 1829 بقوله (القارة كلها تتجه نحو الشرق) لكن ثمة عوامل أخرى أسهمت أيضاً في ازدهار التصوير الشمسي في المنطقة العربية منها إدخال السفن التجارية إلى الخدمة سنة 1840.

التقطت أول صورة فوتوغرافية في المنطقة العربية بحضور محمد علي باشا في مدينة الإسكندرية وذلك في الرابع من تشرين الثاني 1839. ومنذ التقاط الصورة الأولى في الإسكندرية، دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة من التوثيق البصري، وأخذ مئات المصورين بالتدفق على مصر وسوريا والتقطت آلاف الصور للمعابد والهياكل القديمة وللمدن والقرى، وسجلت عدسات المصورين الأزياء والأشكال الهندسية، ولاقت تلك الصور رواجاً كبيراً في السوق الأوروبية، لدرجة أن بعض المؤرخين المعاصرين شبهوا أثر تلك الصور بالصور التي يجلبها حالياً رواد الفضاء إلى الأرض. ولعل أبرز المصورين الذين أدركوا قيمة توثيق المنطقة العربية هو المصور أدريان بونفيس الذي عمل وعاش مع عائلته في بيروت.

العكّاس.. نكهة بلون الماضي

لم تشهد منطقة الخليج العربي نشاطاً تصويرياً لها بسبب حداثتها وتكونها كدول مستقلة بعد إن نزعت عنها ثياب الوصاية والاستعمار، وشأنها شأن دول المنطقة المحيطة بها كانت حداثة الآلة جديدة عليها، ففي الإمارات انتشر «العكّاس» وهو المصور البدائي الذي «يعكس» صور الناس بالأسود والأبيض عبر صندوقه المغلق الذي يفعل فعل السحرة كما يتصوره بسطاء العامّة!

ولعل هؤلاء «العكّاسين» بآلاتهم البدائية تمكنوا بالفطرة من أن يوثقوا الحياة اليومية الإماراتية عبر مراحلها المختلفة، سياسياً واجتماعياً، فرصدوا المدن والقرى وحياة الصحراء والبحر والحرف والمهن المختلفة، فتركوا لنا إرثاً لا يستهان به عن الحياة اليومية الماضية، كما صوروا الحياة الاجتماعية من أوجهها المختلفة من أزياء وملابس للرجال والنساء وغيرها من مستلزمات كمالية أفصحت عن النوع القبلي لكل المناطق الإماراتية، كذلك رصدوا مهن البحر العديدة وأهمها الصيد بأنواعه والغوص والسفن الصغيرة التي كانت دائمة الرحيل في البحار.

الصورة في كل بيت

يحرص الكثير من السكان على وضع صور مختلفة على جدران بيوتهم، فالصورة الأسرية حاضرة بكل تجلياتها التاريخية والمعنوية، لاسيما صورة الجد الأكبر بوصفه تاريخاً أسرياً تتفاءل الأسرة بالحفاظ عليه وتتفاخر أيضاً إذا كان الجد الأكبر ذا نضال سياسي أو اجتماعي أو عشائري أو قبلي، فالصورة هنا استقطاب لمرحلة ماضية وأرشيف نوعي لشخصية ذات بُعد اجتماعي حقيقي، والكثير من البيوت العربية تزين جدرانها مثل هذه الصور القديمة ذات اللونين الأسود والأبيض، ويأتي في الأهمية تالياً رب الأسرة بوصفه يمثل جيلاً آخر بعد جيل الأجداد الذين يوصفون عادة بالرجال الأشداء. والأب هنا رمز آخر من رموز الأسرة وامتداد نوعي لها. وغالباً ما تكون الصورة في وضع مستريح بعينين مفتوحتين ووجه أكثر نُضارة «رُسم» بدقة جيدة نتيجة تدخل المصور لإضاءة الكثير من ملامحه!

الصورة الأسرية العامة قد لا تكون حاضرة على جدران البيوت كثيراً، فجمع الأسرة الكبيرة أمر يتحكم به المزاج الشخصي لرب الأسرة، وخاصة قبل شيوع كاميرات الديجيتال، فالذهاب إلى الأستوديو لأخذ صورة جماعية غير عملي، فالكثير من الأسر تتحرج من أن تظهر النساء مكشوفات الأجساد بلا عباءات تسترهن لأسباب مجتمعية واجتماعية، لذلك فالصورة الفردية هي الصورة الأكثر مقبولية على جدرات البيوت لاسيما في غرف الاستقبال. وسنرى العديد من الصور الفردية التي تؤرخ لمراحل سالفة وهي باللونين الأسود والأبيض يوم كان التصوير حدثاً جمالياً لا غنى عنه.

لغة المراهقات في اختيار الصورة

للمراهقات والمراهقين «لغة» خاصة في اختيار الصور وإلصاقها على جدران غرفهم وهي صور تنشأ من العلاقة بين المراهق ـ المراهقة وبين فنان معروف يمتاز بالأناقة والوسامة والحضور الفني الكبير، وكل هذا نتج عن شيوع وسائل الاتصال وتطور صناعة الكاميرات التي باتت في متناول الجميع لاسيما الديجيتال والكاميرا الرقمية ذات المواصفات العالية تستبقها كاميرا الموبايل التي تلتقط الأحداث المفاجئة والعابرة في حياتنا.

إن تزيين غرف المراهقين والشباب بصور فنانين معروفين وإقصاء الصور الشخصية والأسرية هو تحصيل طبيعي لشيوع الفضائيات واخطبوط الانترنيت وانتماء العصر الجديد الى مدارات العولمة التي أفضت إلى نتائج معروفة وجعلت من الشباب سلعة من سلعها، وفرضت عليهم شروطها اليومية في الاختيار والموهبة. فنحن اليوم في عصر الصورة بشكل مباشر وبأشكالها المختلفة مع تطور تكنولوجيا التصوير واختصار العالم في قرية صغيرة عبر الشات والماسنجر والرؤية المباشرة. فالصورة في هذا العصر أضحت من مسلمات الاتصال المباشر في الحياة وفي كل مكان.

أسماء وعلماء في فن التصوير

* الفيلسوف أرسطو هو أول مَن بحث في فكرة الغرفة المظلمة سنة 300 ق.م.وان الحسن بن الهيثم له مخطوطات حول الغرفة المظلمة لم تعرف إلا في العام 1910 وان ليوناردو دافينشي طبق فكرة الغرفة المظلمة ولكن للمشاهدة ومن ثم للرسم، وكان ذلك في عصر النهضة الاوروبية. ويوجد رسم للغرفة المظلمة وترجع للعام 1519 وتعود إلى دافينشي وان العالم كاردويّ أضاف العدسة البصرية إلى الغرفة المظلمة العام 1590.

* السير (جون هيرشل) يستخدم كلمة فوتوغرافي (Photography) للمرة الأولى في العام 1839 وهي مأخوذة من اللاتينية وتعني الرسم بالضوء.

* جورج استيمان احدث نقلة نوعية في التصوير الفوتوغرافي باختراعه للأفلام المرنة عام 1884 ثم قدم في العام 1888 صندوق الكاميرا (box camera).

ـ الأخوان لويس وأوجست لوبير: ادخلا الألوان إلى التصوير الفوتوغرافي بابتداعهما لطريقة الأتوكروم عام 1907.

ـ 1968 التقطت أول صوره للأرض من على سطح القمر.

الفوتو يونانية

photo هي كلمة إغريقية يونانية تعني الضوء وكلمة Graphic تعني الرسم او الكتابة «الكتابة بالضوء» لان الضوء كان يحدد ملامح المادة.قبل استخدام كلمة فوتوغرافيا كان يطلق على التصوير (ضوء الشمس Sunlight) لان الشمس كانت المصدر الوحيد المستخدم لإنتاج الصور.تم استخدام كلمة Photo-graphic أول مره في عام 1839.

الصينيون يكتشفون الغرفة المظلمة

في القرن الخامس الميلادي أكتشف الصينيون الغرفة المظلمة عن طريق الصيني Mo Ti الذي قام بتسجيل ملاحظاته لأشعة الضوء الداخلة عن طريق ثقب صغير إلى غرفة مظلمة ولكن الصورة لم تكن واضحة ودقيقة.. إلى أن قام ابن الهيثم بتصغير قطر الدائرة من خلال تجاربه حينها قل الضوء الداخل إلى الغرفة المظلمة وأدى ذلك إلى توزيع الضوء بشكل أدق على مساحة اقل وانتشار اقل للضوء مما أعطى صورة أوضع للموضوع.

اختراعات الحسن بن الهيثم

ابتكر الحسن بن الهيثم عالم البصريات أول عدسة في عصره ومن بحوثه العديدة في كتاب (المناظر) موضوعات انكسار الضوء وتشريح العين وكيفية تكوين الصور على شبكة العين ووضع لأقسامها أسماء خاصة و جعل البصريات علما مستقلا له قوانينه الخاصة واهتم بالآلات البصرية وقام بحساب درجة الانعكاس في المرايا المستديرة والمرايا المحرفة. وفي القرن العاشر الميلادي اخترع الحسن بن الهيثم أول كاميرا بثقب صغير (pinhole).

أول صورة بالعالم

* جوزيف نيسابور نيبس ملتقط أول صورة فوتوغرافية عام 1826 واستغرق إلتقاطها 8 ساعات من التعريض.

الصورة في الرواية

الصورة لها حضور متميز في الادب العربي والعالمي وهي رمز متعدد الجوانب والإيحاءات ولعلنا قرأنا كثيراً عن دور الصورة في بعض القصص والروايات والقصائد الشعرية، لما تمثله من مستوى فني يتقصده بعض الروائيين والشعراء. وما زلنا نتذكر روايات مهمة بهذا الصدد ك«صورة الفنان في شبابه» لجيمس جويس و«صورة عتيقة» لإيزابيل الليندي و«بقايا صور» لحنا مينا.

التصوير الإماراتي في ذاكرة محمود الصوان

قادتنا جمعية التصوير الضوئي في الشارقة إلى محمود الصوان، وهو رجل اكتظت ذاكرته باثنين وثمانين عاماً وعاصر أجيالاً مختلفة من الحكّام وكان أحد الشهود على نشوء دولة الإمارات واتحادها واستقلالها، فقد كان سكرتيراً في مجلس حكام الإمارات المتصالحة قبل الاتحاد، ولأنه لم يكن رجل سياسة فقد استهواه التصوير الفوتوغرافي من الخمسينات، فكان قريباً من تحولات الدولة وهي تنمو وتنشأ وقريباً من الحكّام «وكان له مدخل لكل مكان ولكل شيء» كما يقول فوثّق الكثير من نشاطات الحكام والمناسبات الوطنية والحياة اليومية مع انه لم يكن مصوراً محترفاً.

(لا أستطيع أن أتحدث عن تاريخ التصوير في الإمارات لأنه تاريخ قديم ولم يكن هناك مصورون كثيرون لكني مازلت أذكر المصور «رودريكس» في دبي وهو الذي طلب مني أن أعلمه كيفية تحميض الأفلام الملونة التي أجيدها من عام 1957 وكانت دبي تستهويني بشكل مذهل لذا كانت الكاميرا على كتفي أينما ذهبت.. وهناك مصور من أصل باكستاني هو نور علي راشد الذي وثق الكثير من المناسبات الوطنية والاجتماعية)

لم تكن الكاميرات شائعة في ذلك الوقت بسبب ندرتها. ولم يكن الأهالي مقبلون على اقتنائها بسبب بساطة الحياة لكن محمود الصوان كان يستخدم كاميرا كانون من نوع F2 بأفلامها 35 مليمتر، لكن هذه الكاميرا انقرضت لصناعة أجيال جديدة منها تفوقت عليها في التقنيات في مراحل لاحقة ثم في وقت آخر استخدمت كاميرا اسمها ماميا فليكس اليابانية ؛ وقتها كان التحميض يدوياً وإن وصلتنا فيما بعد بعض المعدات الحديثة كعلبة التحميض وهذا كان يعد شيئاً متطوراً في ذلك الوقت سهّل من عملنا كثيراً. أما المواد فكنت أجلبها من شركة كوداك البريطانية ومن شركة ICI أما ورق التصوير فكان يأتي استيراداً من أمريكا محفوظاً بالثلج الجاف.

قد لا تسعفه الذاكرة كثيراً ؛ لذلك فالصوان ليست لديه فكرة عن «العكّاس» القديم ولم يوثق مرحلته المبكرة في التصوير: ( الناس ما كانوا مهتمين بالتصوير كثيراً في تلك السنوات إلا إذا احتاجوا لجواز سفر أو بعض المعاملات الرسمية.. وعلى فكرة، أنا اعتقد أن كلمة عكاس هي إيرانية الأصل ولا أدري لماذا هذا الشك باق عندي إلى اليوم..)

يعتز محمود الصوان كثيراً بصوره القديمة، لاسيما صور المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فهي الأثيرة إلى قلبه، كونها رصدت مناسبات مختلفة، ومع أن الرجل لم يكن محترف تصوير، إذ إن معظم اهتماماته على إجراء التجارب على أنواع التحميض على أفلام النيجاتيف وفيرانا كلر الإيطالية، إلا أنه كان يحمل كاميرته ويصور الأحداث والمناسبات، بسبب قربه من حلقات الحكام وأصحاب الرأي والقرار. وفي مكتبه كانت الصور القديمة تملأ الجدران، فهذه صور الخمسينات وهذه صور الستينات، مناسبات كثيرة يظهر فيها شيوخ الإمارات في دبي والشارقة وأبوظبي والفجيرة، كما تظهر بعض شوارع الإمارات القديمة وهي خالية من بناء اليوم الشامخ. سيارات قديمة أصبحت من ذكريات الماضي وخور دبي في فضاءاته الأولى العارية قبل أن تنبت على ضفتيه العمارات والبراج.

محمود الصوان ذاكرة مثقلة بالماضي والحاضر لديه كتاب عن إمارات الأمس موثق بالصور الأصلية يحكي قصة الإمارات قبل الاتحاد وبعد الاتحاد كأحد الشهود الذين عاصروا، لكنه لم يجد طريقه إلى الطبع حتى اللحظة وهو بعنوان «عقد اللؤلؤ» (الدائرة الثقافية في الشارقة اعترضت على عنوان الكتاب فسحبته ولم يطبع إلى اليوم..أولادي سيتولون أمره بعد وفاتي)! هكذا يقول الصوان مستغرباً! مع أن العنوان رامز إلى عقد الإمارات السبع باللؤلؤ واللؤلؤ كان مفتاح البداية في قصة الأمس.

وارد بدر السالم