فيروز وزياد في لقطة نادرة: كان خبر الأسبوع الأول من شهر يناير عام 1956 في الصحف اللبنانية والعربية هو استقبال المطربة العبقرية فيروز لطفلها الأول من الموسيقار عاصي الرحباني، وقد نشرت الصحف المصرية الخبر وصورة تحمل فيها فيروز طفلها قبل خروجها من دار التوليد ببيروت مشيرة إلى أن صاحبة الحنجرة المخملية قد رزقت بطفلها الأول وأن الصحف اللبنانية تبحث له عن اسم ، وكان هذا الاسم هو زياد الذي كبر ليصبح واحداً من أهم موسيقيي لبنان اليوم .
يذكر أن فيروز ولدت في 21 نوفمبر من عام 1935م في بلدة الدبية في منطقة الشوف من جبل لبنان ، وكانت انطلاقتها الجدية عام 1952م عندما بدأت الغناء لعاصي الرحباني، وكانت الأغاني التي غنّتها في ذلك الوقت تملأ كافة القنوات الإذاعية، وأصبحت مطربة كبيرة في العالم العربي منذ ذلك الوقت. كانت أغلب أغانيها آنذك للأخوين عاصي ومنصور الرحباني اللذين يشار لهما دائما بالأخوين رحباني. وفي 1955م تزوجت فيروز من عاصي ، وأنجبت منه زياد عام 1956 ثم هالي وهو مقعد وأنجبته عام 1958 ثم ليال عام 1960 التي توفيت عام 1988 وكانت صدمة كبيرة لفيروز وأخيرا ريما عام 1965.
وقد قدم الأخوان رحباني مع فيروز المئات من الأغاني التي أحدثت ثورة في الموسيقى العربية، لتميزها بقصر المدة وقوة المعنى (على عكس الأغاني العربية السائدة في ذلك الحين والتي كانت تمتاز بالطول) وبساطة التعبير وعمق الفكرة الموسيقية وتنوع المواضيع، حيث غنت فيروز الحب والأطفال،للقدس لتمسكها بالقضية الفلسطينية، الحزن والفرح، الوطن، الأم.. وقدّم عدد كبير من هذه الأغاني ضمن مجموعة مسرحيات من تأليف وتلحين الأخوين رحباني وصل عددها إلى خمس عشرة مسرحية. تنوعت مواضيعها بين نقد الحاكم والشعب وتمجيد البطولة والحب بشتى أنواعه.
وقد غنت فيروز لعديد من الشعراء والملحنين ومنهم ميخائيل نعيمة قصيدة تناثري، وأمام العديد من الملوك والرؤساء، وفي أغلب المهرجانات الكبرى في العالم العربي. وأطلق عليها عدة ألقاب منها (سفيرتنا إلى النجوم) الذي اطلقه عليها الشاعر محمود درويش للدلالة على رقي صوتها وتميزه.
أما زياد الرحباني فكانت بداية أعماله الشعرية بعنوان (صديقي الله) الذي كتبه بين عامي 1967 و1968، وفي عام 1973 قام «الرحباني» الصغير بتقديم أول لحن لوالدته «فيروز»، حين كان والده في المشفى حيث كان من المقرر أن تلعب «فيروز» الدور الرئيسي في مسرحية «المحطة» للأخوين «رحباني»، ولهذا كتب «منصور الرحباني» كلمات أغنية تعبر فيها «فيروز» عن غياب (عاصي) لتغنيها في المسرحية، وألقى بمهمة تلحينها إلى «زياد»، وكانت تلك الأغنية «سألوني الناس» التي لاقت نجاحاً كبيراً وأدهشت الجمهور بعبقرية ابن السابعة عشرة تلك وقدرته على إخراج لحن يضاهي ألحان والده.
وكان أول ظهور لزياد على المسرح في نفس المسرحية «المحطة» حيث لعب فيها دور المحقق، كما ظهر بعدها في رائعة الأخوين »رحباني» ميس الريم بدور الشرطي الذي يسأل «فيروز« عن اسمها الأول والأخير وعن ضيعتها.بعدها توالت المسرحيات الزيادية، ولكن بأسلوب مختلف جداً عن أسلوب الأخوين رحباني، حيث اتخذت مسرحيات زياد الشكل السياسي الثوري والواقعي جداً الذي يمس جوهر الشعب في حياته اليومية، بعد أن كانت مسرحيات الأخوين رحباني تغوص في المثالية وتبتعد قدر الإمكان عن الواقع ويعيش فيها المشاهد خيالاً آخر وعالماً آخر، هذا ما لم يقبله «زياد» لجمهوره، وخاصة أن الحرب الأهلية كانت قد بدأت.
سراج الدين وفكري أباظة في حوار صحافي
تجمع هذه الصورة التي التقطت منتصف عام 1954 بين رائد الصحافة العربية وأحد مؤسسيها الكبار الأستاذ فكري أباظة رئيس تحرير مجلة المصور لما يزيد عن ثلاثين عاما، وبين د.اسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية وهو في سن العاشرة من عمره حيث كان طالبا بالصف الثالث الإعدادي بمدرسة الناصرية، فقد كان محباً للكتابة و هاوياً الصحافة، الأمر الذي دفعه لتأسيس مجلة ورئاسة تحريرها وهي مجلة «الناصرية»، واتصل بالأستاذ فكري أباظة لإجراء حوار معه، وكان اللقاء بينهما في النادي الأهلي .
وفي الحوار صرح فكري أباظة أنه عمل بالصحافة وهو تلميذ واشترك مع عملاق الصحافة محمد التابعي وحسين حسني في إخراج مجلة مدرسة السعيدية، وقال : منذ ذلك التاريخ بدأت هوايتي للصحافة ونشرت أول مقال في جريدة المؤيد بإمضاء عابر سبيل في سنة 1919 . وقد نشر الحوار على ثلاث صفحات بمجلة الاثنين التي كانت تصدرها دار الهلال منذ الثلاثينات وحتى الستينات. يذكر أن فكري أباظة بدأ ممارسة العمل الصحافى فى صحيفة (المؤيد) ثم فى «الأهرام» ثم فى مجلة «المصور» عام 1924، وتولى رئاسة التحرير بالمصور عام 1926، واستمر لأكثر من ربع قرن وكان قد اعتزل المحاماة عام 1944 ليتفرغ للصحافة، وانتخب نقيباً للصحافيين أعوام 1945، 1948، 1951، 1952.
أهم أعماله: كتاب «حواديت» الذى يضم 46 حدوتة عن تاريخ حياته، وكتاب «الضاحك الباكى» و «أحاديث فكرى أباظة»، كما ألف فيلم «خلف الحبايب»، وله مئة قطعة موسيقية معزوفة على المندولين والناي وضع ألحانها بنفسه. شارك فى تقديم الأحاديث الإذاعية منذ البدايات الأولى للإذاعة المصرية، وكان يقدم حديثا مرة كل أسبوع. كان عضوا بالمجلس الأعلى لدار الكتب ورئيس شرف النادى الأهلى. حصل على الدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون، ومثل الصحافة فى عدد كبير من المؤتمرات الدولية.
أما د.إسماعيل سراج الدين ففضلا عن المناصب الدولية التي تقلدها ولا يزال إلى جوار كونه مديرا لمكتبة الإسكندرية، ألف وحرر العديد من الكتب منها 50 كتابا ورسالة، بالإضافة إلى 200 مقالة وورقة علمية حول العديد من الموضوعات.

