ارتبط الإنسان بالبريد منذ أقدم العصور، وتطور البريد، بتطور وسائل المواصلات، كالسفن، والقطارات، وطرق السيارات، والطائرات، وقد اضطر الإنسان قبل اختراع هذه الوسائل إلى طرق ابتكرها وحاول تطويرها بما في ذلك استعمال حمام الزاجل، والحيوانات الأليفة الأخرى. والبريد قديما وحديثاً هو أهم الوسائل لربط المجتمعات، وللتفاهم الأسري، والتطورات الاقتصادية والعلاقات السياسية، وفي الحروب والاضطرابات أيضاً.
اهتمت بريطانيا بالاتصالات في منطقة الخليج منذ تواجدها لحماية مصالحها الاقتصادية، وقوافلها التجارية ما بين بومباي والبصرة، وبذلك حرصت على رعاية البريد في الإمارات ومددت (كيبل) للبرقيات من البصرة حتى بومباي. ظلت بريطانيا مهيمنة على خدمات البريد في هذه المنطقة، أما في دبي ولوجود عدد من الشركات الأجنبية العاملة فيها فقد ظلت بريطانيا تحاول تطوير البريد الذي كان ينقل عبر السفن التجارية ثم مع شركات الطيران عند دخول الخدمة الجوية في الثلاثينات من القرن الماضي، أما الطوابع التي كان تستخدم فهي الطوابع الهندية وكانت تحمل صورة ملكة بريطانيا، كما تذكر ذلك تفصيلاً الدكتورة فاطمة الصايغ في كتابها «دبي البدايات والتحولات».
بعد استقلال الهند، تأسست أول هيئة بريد خاصة في دبي في يوليو 1960 وتم إنشاء مكتب بريدي في دبي تابع لشركة إنترناشيونال اير ـ راديو ـ لخدمات اللاسلكي والتلغراف. لم تكن العلاقة بين حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد وبريطانيا سلسة، بل كانت هناك علاقة متوترة، بما في ذلك احتكار بيع الطوابع البريدية، على الرغم من وجود اتفاقية تنظم العلاقات بين الطرفين، وقد اضطر الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله أن يخاطب الحكومة البريطانية ويطالب بحقه في الإشراف على الخدمات البريدية، إلا أن الشكوى ظلت قائمة من قبل الشيخ راشد للمخالفات التي كانت تمارسها الحكومة البريطانية في خرق الاتفاقات الموقعة حول البريد وشرعية إشراف حاكم دبي على تلك الخدمات.
أضطر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في 13 مارس 1962 بإرسال رسالة إلى الوكيل السياسي البريطاني يطالبه بدخول دبي في اتفاقية البريد العالمي، وتعيين موظف عربي أو من المنطقة ومكتب محلي يدار من دبي، وقد وافقت بريطانيا على مضض أمام إصرار الشيخ راشد الذي عين أول مدير بريد وكان أسمه (م.س. رجب) كما تذكر الدكتورة فاطمة الصايغ في المصدر المشار إليه في أعلاه.
وتضيف أن بريطانا لم توافق على رجب، فاستبدل بشخص جزائري، وقد رفضته السلطات البريطانية أيضاً وكان الأمر يراد به إفشال إصرار الشيخ راشد وتعجيزه والهدف من ذلك رضوخه لقراراتهم وعودته إليهم، إلا أن راشد لم يتراجع من حلمه في بناء دبي الحديثة بكل ما فيها من قدرات وتطلعات لم تتوفر في العديد من بقاع العالم.
