يرسم جاك ميسترال مؤلف كتاب «الثورة الأميركية الثالثة» المشهد للأوضاع في أميركا عند نهاية حقبة جورج دبليو بوش. ويؤكد أنه كان من خلال عمله في السفارة الفرنسية في واشنطن قد عاش «بشكل مباشر» المسيرة التقهقرية التي عرفتها الليبرالية المتطرفة التي روّج لها المحافظون الجدد في فريق إدارة بوش، وأيضا تقهقر «النزعة المحافظة» نفسها لدى الأميركيين.
الوجه المقابل لهذه الصورة «المتشائمة» التي يرسمها المؤلف للولايات المتحدة في تحليلاته هو حديثه عن ملامح «ثورة ثالثة» تعرفها بعد ثورتي روزفلت وريغان. أما نقاط العلاّم الرئيسية لهذه الثورة الجديدة فيحددها المؤلف في استعادة الدولة لدورها في مختلف ميادين الحياة العامة والنشاطات الاقتصادية للبلاد واستيقاظ نوع من «الوعي البيئي» الحقيقي لدى الأميركيين وعودة المبادئ الديمقراطية إلى الواجهة وتبنّي إستراتيجية لا سابق لها لمواجهة الصعوبات الاقتصادية. بكل الحالات هذا ما يرى به المؤلف الرهان الحقيقي بالنسبة للانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة. وأيضا وأساسا الرهان الأكبر بالنسبة للخمسة عشر سنة القادمة.
إن الصورة التي يقدمها العالم لأميركا هي أن منظومتها الاقتصادية تقدّم إجابات تردّ على التحديات التي تطرحها العولمة. هكذا يتم الحديث عن «حركيتها الاجتماعية» و«كفاءة التعليم العالي فيها» و«مرونة سوق العمل». لكن هل هذا ينمّ عن معرفة حقيقية بأميركا»؟ يتساءل المؤلف.
ويشير إلى أن ثلثي الأميركيين يعتقدون أنهم سوف يصلون خلال حياتهم إلى «تحقيق الحلم الأميركي»، كما يشير أيضاً إلى كتاب «سبيلك إلى النجاح» الذي بيع منه 25 مليون نسخة، ومضمونه هو أنه يعطي لكل إنسان مفاتيح ازدهاره الشخصية على أساس ديني.
بالمقابل يشير جاك ميسترال إلى أن «أميركا تتبدّل أمام عيوننا». وإذا كانت تشهد منذ مطلع عقد السبعينات نموا في اقتصادها أسرع من النمو في دولة مثل فرنسا فإن «نمو» عدد السكان فيها هو أكثر سرعة أيضا. هذا يترتب عليه واقع أن تطور دخل الفرد هو نفسه بالنسبة للبلدين، أي حوالي 2 بالمئة سنويا.
كما تشير التحليلات إلى أن النمو الاقتصادي الأميركي لم يصب عمليا في فائدة أصحاب الدخل الصغير والمتوسط، وقد بقي هذا الدخل «يراوح في مكانه» خلال الفترة المعنية، بل إن حصة الشرائح المشمولة بهذه الفئة من الدخل في الثروة القومية قد تضاءلت بشكل واضح.
بتعبير آخر صبّت الثروات الناتجة في سنوات الازدهار بمصلحة الأكثر ثراء من الأميركيين الذين يشكّلون القلّة القليلة من السكان وليس الأغلبية.
بالتوازي يؤكد جاك ميسترال أيضاً أن «الحركية الاجتماعية» ليست، وعلى عكس الفكرة الشائعة، أكبر مما هو، موجود في الكثير من البلدان الأخرى، والصحافة الأميركية نفسها تشير باستمرار إلى مخاطر تعميق الهوة أكثر فأكثر في المجتمع «هل غدت أميركا غير وفية للشعار الذي ترفّعه حول تكافؤ الفرص»؟ كما يتساءل المؤلف.
إن جاك ميسترال يقدم أيضاً عددا من الأرقام ذات الدلالة مثل القول إن نصف السكان الأكثر فقرا من الأميركيين يكسبون بالكاد أكثر بما كانوا يكسبون في عام 1980. ولم تزدد الرواتب الأولى خلال نفس الفترة سوى بنسبة 35 بالمئة بحيث أصبحت أجرة الساعة هي 5،15 دولارا بدلا من 3،8 دولارا. لكنها زيادة «اسمية» وليست واقعية على صعيد القدرة الشرائية. بالمقابل تضاعف دخل شريحة الأميركيين الأكثر ثراء الذين يشكلون 1 بالمئة من السكان وازداد دخل الشريحة الأعلى 0،5 بالمئة من السكان، ثلاثة أضعاف.
في المحصلة العامة يرى جاك ميسترال أن تاريخ أميركا يسير على أساس «تعاقب النزعات المحافظة والنزعات التقدمية». وفي هذه الفترة تصل «الدورة المحافظة» إلى نهايتها بحيث أن الولايات المتحدة تبدأ إعادة النظر بخياراتها الاجتماعية الأساسية وتتجه من جديد نحو ميادين المعرفة والحماية الاجتماعية والعناية بالبيئة. وهذا المنعطف لن تكون نتائجه على الصعيد الأميركي وحده ولكن سوف تكون له آثاره بالنسبة لبقية بلدان العالم ومناطقه. و«يبقى العالم بحاجة إلى أميركا»، كما نقرأ في أحد نصوص هذا الكتاب.
التغيير...ضرورة
يؤكد جاك ميسترال أن مؤشرات كثيرة تصبّ كلها في نفس الاتجاه مفادها أن الأميركيين كانوا على وعي قام خلال الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية الأخيرة أنه ينبغي «التغيير» فالفترة التي افتتحها رونالد ريغان في مطلع الثمانينات من العقد الماضي قد انتهت مرّة واحدة وإلى الأبد.
المؤلف في سطور
يحمل جاك ميسترال شهادة التأهيل العليا في العلوم الاقتصادية. عمل مستشارا اقتصاديا لميشال روكار، رئيس وزراء فرنسا الأسبق ثم للوران فابيوس عندما كان وزيرا للاقتصاد. وشغل أيضاً منصب المستشار الاقتصادي في السفارة الفرنسية بواشنطن. يعمل الآن مديرا للدراسات الاقتصادية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، من كتبه «تعزيز الدور العالمي للبورصات» و«الغلبة للأقوى» وله العديد من المساهمات في الدوريات الفرنسية والعالمية.
الكتاب: الثورة الأميركية الثالثة
تأليف: جاك ميسترال
الناشر: بيران باريس 2008
الصفحات: 236صفحة
القطع: المتوسط
La troisième révolution américaine
Jacques Mistral
Perrin - Paris 2008
236 P
