ما هي الحالة التي غدت عليها روسيا بعد عشرين سنة من انهيار الشيوعية؟

الإجابة عن مثل هذا السؤال «الواسع» تشكل الموضوع الرئيسي لكتاب ماري مندراس «روسيا: الوجه الآخر للسلطة». ذلك بالإضافة إلى عدد من الأسئلة الأخرى مثل: ما هو مستقبل روسيا؟ وكيف يمكن شرح سياستها الخارجية؟ وما هي طبيعة العلاقات التي ستقيمها مع بقية العالم؟ إن المؤلفة، في محاولتها للإجابة، تحاول شرح مختلف التحولات والمنعطفات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، كذلك تتعرض لشرح مختلف الأحداث الكبرى التي عرفها العقدان المنصرمان، وفي مقدمتها الحرب الشيشانية والثورة البرتقالية في أوكرانيا وقضية شركة «يوكوس» ووصولا إلى انتخابات عام 2008 والنزاع الروسي-الجيورجي.

تذهب المؤلفة إلى الاستنتاج أن فلاديمير بوتين شاب، وبالتالي هو «من أنصار الحداثة»، وأنه نشيط، وبالتالي هو «إصلاحي»، وإنه يتحدث اللغة الألمانية، وبالتالي هو «منفتح على أوروبا»، وتؤكد على أن الصورة السائدة عن روسيا ـ بوتين بعيدة عن «سراب تعزيز موقع روسيا عبر النزعة التسلطية والتقهقر الديمقراطي، وهو سراب حافظت عليه السلطة القائمة». وتتساءل عن سر استمرار «الرؤية الأسطورية في روسيا كما في الخارج»؟ وتشرح ذلك بواسطة مظهرين «خادعين».

فمن جهة لا يشتكي الروس من الوضع القائم، فالنموذج هو إذن ديمقراطي. ومن جهة أخرى، يميل الأجانب إلى اختيار من يتحدثون معه من الروس تبعا لاقتراب مواقعهم من السلطة، وهذا يعطي أيضاً صورة خادعة عن الوضع.وتؤكد تحليلات هذا الكتاب فعالية «المزايدة» التي مارسها النظام الروسي في ظل فلاديمير بوتين خلال السنوات الأخيرة والمتمثلة في إعطاء المصداقية لأطروحة تعزيز سلطة الدولة وسلطة القانون.

وذلك بالتعارض مع حالة الفوضى التي كانت سائدة أثناء فترة حكم بوريس يلتسين الذي رأى به الغرب «شريكا ديمقراطيا». ولا تتردد المؤلفة في التأكيد أن سياسة بوتين قد أدّت هي الأخرى إلى «التفكيك المنهجي لمؤسسات الدولة والمجتمع» وذلك بالتحديد لصالح هيمنة السلطة المركزية. وفي معرض الحديث عن «العقد الاجتماعي» الذي يربط بين الشعب والحكومة في روسيا تحدده المؤلفة بالمعادلة التالية: الروس يحسّنون من مستوى معيشتهم والنخب يزداد ثراؤها أكثر فأكثر. وجميع الشركات عليها أن تُبدي ولاءها واستقامتها في علاقتها مع السلطة. هذه علاقة «اتفاقية» تصبّ في مصلحة الطرفين، مسألة «الثقة» ليست مطروحة في هذا الإطار.

أما اللحمة التي تشكل الرابطة الاجتماعية التي يلتقي حولها الجميع فتتمثل في القول بوجود «عدو» خارجي يمثله في السياق الراهن الغرب. نقرأ: «تخشى الدولة البوتينية ـ من بوتين ـ التقدّم الديمقراطي قريبا من حدودها. لذلك تجري تعبئة النفوس وقطعها عن الحلم الأوروبي وكبح أية إمكانية لتصوّر إيجاد بديل للسلطة القائمة». يتم التأكيد أيضاً في هذا السياق أن هناك تلازما وثيقا بين عودة النزعة التسلطية في الداخل بروسيا وبين استخدام لهجة شديدة حيال الخارج.

هذا يفسّر برأي المؤلفة واقع أن السلطة بروسيا ترى في الثورات التي عرفتها البلدان المجاورة، أي الجمهوريات السوفييتية السابقة، مثل أوكرانيا وجيورجيا، مصدر تهديد لها. وهذا ما تشرحه المؤلفة على مدى فاصل كامل في الكتاب.

فترتان رئاسيتان

ترى المؤلفة أن الوضع في روسيا ازداد خطورة بين الفترتين الرئاسيتين لفلاديمير بوتين، فما بين عام 2000 وعام 2004، كان يمكن الحديث أيضاً عن «تقليد الديمقراطية». لكن اعتبارا من بداية الفترة الرئاسية الثانية لبوتين «زادت المسافة العامة حيال قيم الحرية والديمقراطية والمنافسة الحرّة».

المؤلفة في سطور

ماري مندراس هي أستاذة في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وفي كلية العلوم السياسية في العاصمة الفرنسية باريس. وهي أيضاً باحثة سياسية في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي وتتولّى إدارة «المرصد الروسي» في مركز الدراسات والأبحاث الدولية. والمؤلفة مجازة من معهد اللغات الشرقية بباريس ومن جامعتي جون هوبكنز وهارفارد.

الكتاب: روسيا: الوجه الآخر للسلطة

تأليف: ماري مندراس

الناشر: اوديل جاكوب - باريس 2008

الصفحات: 333صفحة

القطع: المتوسط

Russie: l'envers du pouvoir

Marie Mendras

Odile Jacob

Paris 2008

333 P