يدرس كتاب «نظريات المؤامرة» مكانة ومفهوم السر والقوة في الثقافة الأميركية، كما يدل عنوانه الفرعي. وما يؤكده المؤلف ويقدّم البراهين عليه هو أن «لعبة نظريات المؤامرة» لها دور مهم في الديمقراطية الأميركية. وهو يشرح بنفس الوقت الآليات التي تنتشر فيها هذه النظريات بين الجماهير الشعبية بسرعة كبيرة. كذلك يحاول من خلال هذا كله أن يدرس آليات عمل المجتمع الأميركي بمجمله.

يقدّم المؤلف أولا نبذة عن «تاريخ نظرية المؤامرة». ويشير إلى أن مفهوم هذه النظرية قد رأى النور للمرة الأولى في بلاط العرش البريطاني خلال القرن السابع عشر. وتمثل في محاولة «إفساد البرلمانيين» للحصول على أغلبية للدعم ؟ على غرار الأحزاب السياسية - في البرلمان. وجرى تحويل نظرية المؤامرة تلك إلى الولايات المتحدة حيث كان المستوطنون الأميركيون على قناعة أن العرش البريطاني وعموم البريطانيين يريدون قلب سلطتهم. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن القس البريطاني «اوغستان بارويل» قد وصف الثورة الفرنسية الكبرى ؟ عام 1789- أنها كانت «مؤامرة مناهضة للمسيحية» كما جاء في مذكراته.

وتطورت نظريات المؤامرة في القرن التاسع عشر حيث اعتبرت أن مصادر التآمر على العالم تكمن في عدة قطعات لها مصالح كونية وعلى رأسها الماسونيون واليهود واليسوعيون. وأصبح اليهود هم أول المقصودين على خلفية ما جاء في «بروتوكول حكماء صهيون» الشهير الذي اعتمد عليه «ادولف هتلر» في عدائه لليهود. وكانت عملية اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي عام 1963 مثار اهتمام القائلين ب«نظريات المؤامرة». ثم كانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 قد أثارت موجات من الاحتجاج ضد «تآمر الحكومة الأميركية» وسياستها الخارجية في الشرق الأوسط.

يناقش الكتاب التقرير الذي أصدرته اللجنة التي كان قد جرى تكليفها بالتقصّي حول تفجيرات 11 سبتمبر. إنه يؤكد على أن الولايات المتحدة هي في قلب العديد من نظريات المؤامرة. هكذا تحوم الشكوك حول العديد من عمليات التدخل الأميركي خلال النصف الثاني من القرن العشرين خاصة في أميركا اللاتينية المجاورة، مثلما حدث في تشيلي ضد الرئيس المنتخب سلفادور الليندي وفي بوليفيا وباناما. لكن تبقى تفجيرات 11 سبتمبر الأخيرة بمثابة تطبيق نظرية المؤامرة الأكثر ازدهارا في السنوات الأخيرة.

ولا يتردد بعض هذه النظريات في التحضير ولو بشكل غير مباشر، لتلك التفجيرات. لكن المؤلف يرى أن مثل هذه الاتهامات تصبّ في واقع النظر إلى أميركا على أنها دائما على خطأ، وأنها «ذات نوايا سيئة» بشكل دائم، وبالتعريف. بكل الحالات يدرس مارك فينستر «نظرية المؤامرة» على أنها نظرية «شعبوية» ربما لعبها على المشاعر الشعبية لها فعلها القوي.

ذلك من خلال أنها تتناظر بل تستجيب لأشكال من المظالم الحقيقية، وليس التآمرية، في المجتمعات المعاصرة. بهذا المعنى تصبح نظرية المؤامرة ك«أحد أعراض الشروط السياسية والاجتماعية الحقيقية» القائمة في البلدان المعنية بها. وهكذا تعتبر بهذا المعنى؛ حيث يمكن لأشكال الثقافة المعاصرة من أفلام سينمائية وتلفزيونية وأعمال روائية، بل وحتى ألعاب الفيديو، أن تعبّر عن رغبات «دفينة» تتم ترجمتها بهذه الطريقة أو تلك. ونقرأ: «ليس كون أن نظريات المؤامرة خاطئة يعني أنها لا تجد مصدرها في أمر ما له وجوده في الواقع». هذا ما يناقشه المؤلف بالتفصيل بأحد الفصول الذي يحمل عنوان «النموذج، الموديل، الفصامي».

وإذا كان المؤلف «لا يكيل المديح» لنظريات المؤامرة فإنه يشير بنفس الوقت إلى أنها تحتوي على «عناصر» تهمّ التحليل السياسي، مهما كانت الدوافع التي أثارتها تنتمي إلى العالم الطوباوي - اليوتيوبي.

تتم الإشارة هنا إلى أن منظري مفهوم المؤامرة يرون أن الأمور تحدث دائما كون أن أحدا، أو «شيئا» ما أراد حدوثها. ويتوازى مع هذا الرأي قول المؤلف ان نظرية المؤامرة قد تمتلك مرجعية فلسفية «ليبرالية» تؤكد على الحرية المطلقة للأفراد الداخلين في منافسة مستمرة مع النظام الاجتماعي وما ينتجه من معايير ومقاييس. بهذا المعنى أيضاً تعبّر نظريات المؤامرة عن قيم «منافية للقيم الاجتماعية».

بكل الحالات لعلّ الفرادة الكبيرة التي يتميز فيها هذا الكتاب تكمن في محاولة مؤلفه مارك فينستر تقديم تفسير للأبعاد السياسية والثقافية. وهو تفسير نقدي لهذا «النموذج، الموديل، السياسي الواضح والمهم أكثر فأكثر». بل لا يتردد في القول ان التآمر هو نتاج كامل للمنظومات السياسية ويعكس مسالب المؤسسة نفسها مع رغبة التعبير عن بعض المشاعر «المكبوتة».

دافنشي كود

ما يتم تأكيده أيضاً هو أن نظريات المؤامرة ازدهرت «تاريخيا» في أوساط الثقافة السياسية الانكلوسكسونية. هذا ما يدل عليه بوضوح النجاح الذي حققه عمل روائي نال شهرة عالمية مثل «دافنشي كود». تجدر الإشارة إلى أن جميع الروايات التي يمكن تصنيفها في خانة «نظريات المؤامرة» مالت غالبا إلى عدم الدقة في المرجعيات التاريخية. هذا ما يشرحه المؤلف بإسهاب في مقدمة الكتاب التي تحمل عنوان «نحن جميعا منظّرون للمؤامرة الآن».

المؤلف في سطور

يعمل مارك فينستر أستاذا للقانون في جامعات فلوريدا. وكان قد نال شهادة الدكتوراه بعلم الإعلام والاتصالات من جامعة اللينوا كما نال شهادة بالحقوق من جامعة يال، يعيش حاليا في دانفير.

الكتاب: نظريات المؤامرة

تأليف: مارك فينستر

الناشر: جامعة مينيسوتا - 2008

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

Conspiracy theories

Mark Fenster

University of Minnesota 2008

400 P