يبحث كتاب « جيوسياسة الانفعال » لمؤلفه دومينيك مويزي في «البعد الانفعالي للعولمة» حيث يقيم نوعا من «خارطة الانفعالات» في العالم كي يصل من خلالها إلى تساؤل مفاده: «هل نحن الآن في مواجهة صدام الانفعالات»؟ الإحالة واضحة إلى ما كان قد كتبه صموئيل هنتنغتون حول «صدام الحضارات».
تتمثل إحدى الأفكار المركزية التي تتكرر على مدى صفحات الكتاب في القول إن أوروبا والولايات المتحدة الأميركية تعيشان «أزمة هوية» مما يغذي ما يسميه المؤلف بـ «ثقافة الخوف». هذا الخوف يتعاظم أكثر فأكثر أمام «صعود الآخر»، باعتباره «منافسا» أو «مصدر تهديد».أما العالم العربي والإسلامي فيرى المؤلف أنه، وفيما هو أبعد من أشكال المنافسة العديدة التي يعيشها، ينغمس في «ثقافة الخنوع» التي نشأت وترعرعت على خلفية مسيرة طويلة من التقهقر التاريخي ومن أشكال الحرمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعقائدي.
و«ثقافة الأمل» يمثلها في التحليلات المقدّمة العالم الآسيوي المنضوي وراء الصين والهند وبلدان جنوب شرق آسيا الصاعدة الأخرى. مثل هذا النمط من الثقافة يجد ركائزه في التفاؤل والثقة بالنفس القائمين أساسا، ولكن ليس حصريا، على واقع النجاح الاقتصادي. يبقى الخط الناظم لتحليلات هذا الكتاب هو البحث في دور الانفعالات والعواطف في العلاقات الدولية، وذلك دون التمييز الواضح بين هذه وتلك. وهو يجد فيها، بشتى تعبيراتها، أحد المعايير التي يمكن اللجوء إليها لفهم مواقف الدول والقوى العالمية، بل وفي تشكيل الأقطاب «السياسية» في العالم المعاصر.
وإذا كان دومينيك مويزي يؤكد على أن «الخوف» يشكل في الحقبة الراهنة قاسما مشتركا بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، مع الإشارة إلى أنه يتم التعبير عن هذا الخوف بطرق مختلفة على شاطئي المحيط الأطلسي، فإنه يرى باليابان «الاستثناء الوحيد» في آسيا. ويرى أن مشاعر «التقهقر التاريخي» في العالم الإسلامي قد أصبحت «أكثر خطورة» بسبب تكدّس أشكال الكبت التي أثارها وجود إسرائيل أو الآثار الضاغطة للعولمة أو أزمة الهوية التي يعيشها المسلمون المقيمون في الغرب.
ويشرح المؤلف أن «الانفعال» في الغرب تغلّب على «مدلول القيم» و«الإيمان بالازدهار الاقتصادي». وتمّت ترجمة ذلك بتنامي مشاعر الخوف المتعدد المصادر والتي ليس أقلها تأثيرا «الهجرة» وما يترتب عليها في الأفق المنظور من إمكانية حدوث اضطرابات اجتماعية، و«توسيع إطار الاتحاد الأوروبي» الذي قوبل في البداية بكثير من الحماس على خلفية التخلّص من التهديد الشيوعي والانتماء إلى البيت الأوروبي الموحّد، و«البيرقراطية» التي تكبح النشاطات الخلاّقة وتؤدي إلى نقص الإنتاجية الاقتصادية، و«التقهقر الديمغرافي» الذي يهدد القارة القديمة بشيخوخة حقيقية على المدى القريب.
أما الولايات المتحدة الأميركية فيصفها المؤلف أنها تطرح على نفسها الكثير من الأسئلة مثل: «هل فقدنا روحنا، أي تفوّقنا الأخلاقي؟ وفقدنا هدفنا، أي معنى مهمتنا؟ وفقدنا مرتبتنا، أي هل أصبحنا الآن بصدد التقهقر»؟ ويتحدث المؤلف عن حالات الدول والمناطق التي تتأرجح بين «انفعال» وآخر، أو أنها تجمع بنفس الوقت عددا من الانفعالات المتشابكة. وفي الحالتين يغدو تصنيفها صعبا. الأمثلة التي يقدمها تتمثل في إسرائيل التي «انتقلت» من مشاعر «الأمل» إلى مشاعر «القلق»، وفي إفريقيا التي تنحدر بسرعة نحو مشاعر «اليأس»، وأميركا اللاتينية المتأرجحة بين التحرك على خلفية المشاعر الشعبية، مثل تلك التي أثارها الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، وبين التقدم الذي تسير في طريقه عدة بلدان أميركية لاتينية.
وينهي دومينيك مويزي تحليلاته حول «جيوسياسة الانفعال» بتقديم مسارين محتملين يرتسمان في أفق عام 2025 (الفصل الأخير) بالنسبة للعالم. أما المحرك الأساسي لانتهاج أحدهما فيحدده بالأوضاع التي ستؤول إليها منطقة الشرق الأوسط. ويقول المؤلف بوضوح أن الوضع الدولي خلال العقدين القادمين تابع بشكل أساسي للطريقة التي سيتم فيها حل النزاع في هذه المنطقة الحساسة من العالم، حل النزاع أو عدم الوصول إلى أي حل.
وقد اختار دومينيك مويزي خاتمة لكتابه جملة قالها ذات يوم «تريستان برنار» لزوجته قبل لحظات من وقوعه بقبضة الشرطة النازية، وجاء فيها: «لقد عشنا حتى اليوم في ظل مشاعر الخوف. أما الآن فصاعدا فسوف نعيش في الأمل». على خلفية مثل هذا «الأمل» يرفض مويزي هذيان هنتنغتون حول صدام الحضارات والأديان.
دور وسائل الإعلام
لا يتردد المؤلف في التأكيد أن الانفعالات لها اليوم دور أكبر في تحديد توجهات السياسات الدولية أكثر من أي وقت مضى. كما يؤكد في نفس السياق أن وسائل الإعلام تلعب من ناحيتها دور «مكبّر الأصداء» بالنسبة لهذه الانفعالات، عبر الكشف عنها مباشرة.
دور وسائل الإعلام
لا يتردد المؤلف في التأكيد أن الانفعالات لها اليوم دور أكبر في تحديد توجهات السياسات الدولية أكثر من أي وقت مضى. كما يؤكد في نفس السياق أن وسائل الإعلام تلعب من ناحيتها دور «مكبّر الأصداء» بالنسبة لهذه الانفعالات، عبر الكشف عنها مباشرة.
المؤلف في سطور
دومينيك مويزي هو أحد الأعضاء المؤسسين للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو مركز الأبحاث الإستراتيجية الأكثر قربا من وزارة الخارجية بفرنسا. يشغل المؤلف الآن منصب المستشار الخاص للمعهد. عمل أستاذا في جامعة هارفارد الأميركية وهو أحد الأخصائيين المشهورين عالميا في مجال العلاقات الدولية. له مؤلفات عديدة من بينها: «القارّة الجديدة: من أجل أوروبا ناهضة» و«الأزمات والحروب في القرن العشرين»، الخ.
الكتاب: جيوسياسة الانفعال
تأليف: دومينيك مويزي
الناشر: فلاماريون ـ باريس 2008
الصفحات: 267 صفحة
القطع: المتوسط
La géopolitique de lémotion
Dominique Moïsi
Flamarion - Paris 2008
267 P

