لم يكن من قبيل الصدفة أن تبادر مايا جاجي المحررة الثقافية بصحيفة «غارديان» اللندنية إلى إجراء هذه المقابلة مع الروائي البرتغالي الفائز بجائزة نوبل للأدب خوسيه ساراماغو، مؤخراً، فقد تصادف الحوار مع لحظة تألق فريدة للروائي الكبير حيث صدرت الترجمة الانجليزية لروايته «الموت على مراحل» وعرض في دور السينما العالمية الفيلم المقتبس عن روايته «العمى» الذي قدمه المخرج البرازيلي فرناندو ميريل . وفيما يلي نص الحوار.

تألي لحظة نادرة في الحوار مع الروائي خوسيه ساراماغو عندما ينطلق ضاحكاً، وعلى وجه التحديد لدى الحديث عن موته. وهو يبدو في هذه اللحظة نحيلاً، وشاحباً، وقد جلس مستقيم الظهر في مقعده في داره الصغيرة التي تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لشبونة. وهو يتذكر نقله على عجل في شتاء العام الماضي إلى إحدى المستشفيات، بعد إصابته بمرض في الجهاز التنفسي: «كان القائمون على المستشفى مترددين في قبولي بها لأنني كنت في حالة بالغة الخطورة، ولم يريدوا أن تحمل مستشفاهم لقب المستشفى التي مات فيها ساراماغو ».

هذه الضحكة الطالعة من القلب التي أطلقها ساراماغو ربما كانت نابعة من إحساس ماكر بالتوقعات التي لم تتحقق بقدر ما هي نابعة من الفرح بالشفاء. وهو يوضح في هذا الصدد: «إنني لا أنظر إلى ما حدث على أنه معجزة، فكل ما هنالك أن فرص شفائي كانت محدودة». غير أن هذه الضحكة توحي أيضاً بموقف ساخر من الشهرة المدوية التي لم تواته إلا متأخرة كثيراً، فقد ظل يعمل ميكانيكياً للسيارات وعاملاً في الصناعات المعدنية، ولم يكرس نفسه للكتابة إلا في الخمسينات من عمره، بل انه لم يحقق انجازه الكبير إلا وهو في الستين من عمره بروايته الرابعة الصادرة في عام 1982 بعنوان «النصب التذكاري» التي تقع أحداثها في لشبونة في القرن الثامن عشر وتدور في أجواء تردد أصداء محاكم التفتيش.

وفيما يستعد ساراماغو للسفر إلى البرازيل، حيث له حشود هائلة من المعجبين هناك، لافتتاح معرض عن حياته وأعماله في ساو باولو، يبادر إلى القول إن مؤسسته الثقافية التي تتأهب للانتقال إلى مقرها الجديد تتحرك بقوة لتحقيق هدفه وهو «إعطاء ديناميكية جديدة للحياة الثقافية في البرتغال» على حد تعبيره. وهذه المؤسسة تديرها بيلار ديل ريو، زوجة ساراماغو، الصحافية ومترجمة أعماله من البرتغالية إلى الاسبانية.

وكان ساراماغو قد أثار ضجة كبرى في البرتغال عام 2007 عندما أعرب عن اعتقاده بأن البرتغال من المحتم أن تصبح ولاية في شبه جزيرة أيبيريا المتحدة، وقد أعتقد البعض بأن تصريحه هذا نابع من غضب بقي طويلاً في صدر الروائي الكبير منذ إصرار الحكومة البرتغالية على حجب جائزة للاتحاد الأوروبي عن إحدى رواياته، بضغوط من الفاتيكان. ويقول ساراماغو: «لقد غادرت البرتغال كاحتجاج على الحكومة في ذلك الوقت وليس غضباً من البرتغال. وأنا أدفع ضرائبي في البرتغال وقد أمضيت ستة أشهر في عام 2008 على أرضها».

وينظر بعض النقاد إلى انتقال ساراماغو في عام 1991 إلى لانزاروتي من لشبونة على أنه شكل انتقالاً في عالمه الروائي، حيث أن رواياته الأخيرة التي تدور أحداثها في أماكن غير محددة، تضرب جذورها بشكل أقل جلاء ووضوحاً في الحياة والتاريخ البرتغاليين، أو على وجه التحديد في شوارع لشبونة وعواصفها، حيث برز العنصر التأملي في هذه الروايات بشكل أكبر. والواقع أن المخرج البرازيلي فرناندو ميريل قد اجتذبته في روايته «العمى» ودفعته إلى تحويلها إلى فيلم رؤيه الرواية لمدى هشاشة الحضارة الغربية وسهولة انهيارها.

غير أن ساراماغو نفسه يقول في هذا الصدد: «لست أرى قشرة الحضارة الغربية ومدى هشاشتها، وإنما أرى المجتمع على نحو ما هو عليه، فمع وجود الجوع والحرب والاستغلال نحن في جحيم بالفعل. ومع الكارثة الجماعية المتمثلة في العمى الجماعي يطفو كل شيء على السطح سواء أكان سلبياً أم إيجابياً. إنها لوحة تصور ما نحن عليه». وجوهر هذه الرواية، حسبما يراه ساراماغو ، هو: «من الذي لديه السلطة ومن الذي ليست لديه، من الذي يسيطر على الإمداد بالغذاء ومن الذي يستغل الباقين».

ويعرب ساراماغو عن اعتقاده بأن روايته «الموت على مراحل» قد استمدت إلهامها من فكرة «ما الذي سيحدث عندما يحصل الموت على إجازة». وتدور أحداث الرواية في بلد حبيس، ليست له أي اطلالة على البحر، حيث يكف الناس عن الموت، فتعمد مافيا سرية بالتعاون مع حكومة أزمة إلى نقل المحتضرين عبر الحدود، ليموتوا خارج البلاد ويتم دفنهم هناك.

ويتجسد الموت في هيئة امرأة، تشغلها عن وظيفتها قصة حب مع عازف تشيللو. ويقول ساراماغو: «إنني لا أنظر إلى الرواية باعتبارها قصة حب. وبعض الناس يقرأونها على أنها رواية تقدم الحب وهو ينتصر على الموت، ولكن بالنسبة لي فإن هذا لا يعدو أن يكون وهما خالصاً».

ومن منظور ساراماغو فإن: «الكنيسة حاولت أن تجد تفسيراً لخلق العالم، ومنذ ذلك الحين دافع رجالها عن تلك الفكرة بالعنف. وهذا غياب قاتل للتسامح، كما هي الحال في محاكم التفتيش التي أحرقت الناس بالنار لأنهم نظر إليهم على أنهم مختلفون. والبابا الجديد يريد للطروحات المتصلبة أن تحترم، وألا توضع موضع التساؤل، وأنا ضد ذلك، فليس بمقدورنا قبول الحقيقة عندما تجئ من آخرين، ولابد لنا على الدوام من التمكن من وضع هذه الحقائق موضع التساؤل».

وتقول مارجريت جول كوستا مترجمة رواية «الموت على مراحل» من البرتغالية إلى الانجليزية إن صيغة ساراماغو السردية الخالية تماماً من العيوب يراد بها أن تبدو دفقاً من الحديث الذي لا ينقطع، فهو يقوم بعملية تنسيق مدهشة يجمع في رحابها الأصوات ونقاط التوقف. وهي تشبه ساراماغو في هذا الصدد بإيسا دي كويروز، الروائي الواقعي العائد للقرن التاسع عشر في إطار «تقليد من السخرية بالبرتغال والتنكيت عليها».

وينظر إلى «الموت على مراحل» على نطاق واسع على أنها رائعة ساراماغو بامتياز، رغم أن البعض يؤثر أن يحتفظ بهذا اللقب لروايات أخرى عديدة من مجمل أعمال ساراماغو ومنها روايته «العمى».

المؤلف في سطور

ولد الروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو في عام 1922 لعائلة من الفلاحين في قرية أزيناجا في منطقة ريباتيجو الواقعة إلى الشمال الشرقي من لشبونة، ودرس في مدرسة فنية أهلته للعمل في ميكانيكا السيارات وصناعات المعادن، التي ظل يعمل في إطارها حتى الخمسينات من عمره.

عكف على القراءة في المكتبات العامة، وعمل بإحدى دور النشر، وأصدر روايته الأولى في عام 1947، ولم يعرف الشهرة إلا في الستين من عمره مع صدور روايته الرابعة «النصب التذكاري» في 1982، وعجل نجاحها بانطلاق مسيرته على الرغم من تأخرها ليقدم للمكتبة العالمية أكثر من 15 رواية بالإضافة إلى دفق من القصص القصيرة والمسرحيات والقصائد وأدب الرحلات.

نال العديد من الجوائز وألوان التكريم، أبرزها حصوله على جائزة نوبل للأدب في عام 1998، وتعد مؤسسته الثقافية إحدى أبرز المؤسسات الثقافية في أوروبا الغربية، وهو يكتب بصورة يومية للقراء عبر موقعها الالكتروني الذي يتصل به ملايين القراء.

منى مدكور