إذا كانت روايات الأديب البرتغالي الشهير خوسيه ساراماغو تتميز جميعها بأنها لا تنطلق من البداية التقليدية «في يوم من الأيام كان هناك..»، فإنها جميعها أيضاً تنطلق من مقولة: «ماذا لو أن..».
هنا، على صفحات رواية «الموت على مراحل» نحن مع فرضية مذهلة حقاً يطرحها المؤلف، وهي: ماذا لو أن الموت قد أخذ عطلة توقف خلالها عن العمل تماماً؟ ما الذي يحدث عند ذاك؟ كيف سيتصرف الناس؟ ما الذي سيفعله الموت نفسه في عطلته تلك؟
يلفت نظرنا على الفور أن الرواية منذ استهلالها البارع تستدرجنا إلى جدل محتدم بين الإمكانية والاستحالة. وهي في الواقع تستدرجنا إلى أرض صعبة، لا يسهل قطعها، فهي حافلة بالأعاجيب وبالاقتطاعات، حتى لنحار ونحن نواجه السؤال الصعب: كيف يمكننا الجمع بين هذا كله؟ هذا المنطلق المدهش للرواية هو مجرد بداية فحسب، حيث ان المؤلف يحرص على أن يقطع معنا الشوط كاملاً إلى أقصى ما يمكن أن يبلغه الخيال إذا انطلق من هذه المقدمة المدهشة، حتى إذا تضمن ذلك أن يعاني المنطق العادي أشد المعاناة.
القارئ العربي عليه أن يحلق بخياله إلى درجة أعلى، فالموت في لغته، وفي أعرافه الفكرية وتقاليده، يأخذ صيغة المذكر، فنحن في لغة الضاد نتحدث عن ملك الموت، ولكن ساراماغو يقدم لنا الموت امرأة، تقرر أن تأخذ عطلة مما تعكف وظيفياً على القيام به في بلد حبيس لا تظل حدوده على بحار ولا محيطات. فماذا يفعل الناس؟
ليس هذا هو السؤال الجوهري حقاً، وإنما السؤال الذي يتعين تأمله طويلاً هو: «إلى أين يمضي الموت إذا تخيلناه في الإهاب الذي يقدمه لنا المؤلف؟
إننا نعرف في التقاليد الإبداعية الفرنسية، على سبيل المثال، أن مارسيل بروست قد تخيل أنه رأى الموت عند أطراف فراشه وقد اتخذ هيئة امرأة بدينة ترتدي السواد، لكن الموت لن يكون له جوهر أو ماهية إلا إذا اندفعنا قدماً ضد القيود المفروضة على ما هو ممكن للوصول إلى مستوى مختلف من الرؤية، من التصور، من التخيل، لبلوغ سيناريو داخلي للمتخيل، حيث يغدو لكل شيء معناه.
في هذه الرواية، يأخذ الموت إهاب امرأة، تمضي لتشتري ثوباً جديداً من أحد المتاجر في وسط مدينة، في ذلك البلد الحبيس، الذي لا نعرف له اسماً أو حدوداً على وجه الدقة. بالنسبة للبعض فإن هذا الإهاب يبدو مثيراً للدهشة وللاستغراب، لكن هذا ليس بالأمر الجوهري حقاً، فجوهر ما يطرحه ساراماغو هو السؤال «ما الذي يحدث إذا أخذ الموت اجازة؟». هذه الإجازة ستمضيها تلك المرأة المثيرة للدهشة في قصة حب تربطها بعازف تشيللو رأته في حفل موسيقي توجهت لحضوره مرتديه ذلك الثوب الجديد الذي رأيناها تشتريه من متجر بوسط المدينة.
نحن إذن أمام قصة حب عجائبية وفريدة من نوعها؟ أليس كذلك؟ ما الذي يحدث في اطار هذه القصة التي تحمل كل ملامح الصدمة؟
قبل أن نفرق في هذه النوعية من علامات الاستفهام، علينا أن نتذكر أن ساراماغو نفسه ينفي أنه ينظر إلى روايته هذه باعتبارها قصة حب، على الرغم من أن الكثيرين يقرأونها على أنها قصة انتصار الحب على الموت.
إن الحب ليس اللاعب الوحيد على هذه الساحة المثيرة للدهشة، فهناك عازف التشيللو العتيد، الذي لم يكن الموسيقى الوحيد الذي لفتت نظره تلك الحسناء التي تجلس في المقصورة خلال الحفل كأنما يؤطرها إطار فريد من العزلة، أو كأنما هي تسكن الفراغ على نحو ما يعبر ساراماغو نفسه.
لكن إطار الرواية لا يغلق على هذين العاشقين وحدهما، وإنما هناك الناس الذين يتعرضون لنتائج هذه العطلة الفريدة من نوعها، والذين يعانون من غياب الموت، فالمحتضرين منهم حائرون بين هذه الدنيا وما بين أرض الما وراء التي لا يصلون إليها.
كما هي حال الناس في كل زمان ومكان، لابد من حل، لابد من إمكان في مواجهة الاستحالة، وهكذا يبرز تحالف غير مقدس بين نوع من المافيا السرية العجائبية وبين حكومة الأزمة التي تتصدى للموقف، وفي ظل هذا التحالف تتعدد عمليات تهريب المحتضرين عبر الحدود إلى البلاد المجاورة، حيث «يرحلون»، ومن ثم يجري دفنهم بعد تحقق خلاصهم من ورطتهم العجيبة.في غضون ذلك تتواصل قصة الحب التي يعيشها الموت وقد اتخذ إهاب امرأة، لكن صدمة هائلة تنتظرنا، فنحن ما نلبث أن نعلم أن عازف التشيللو العتيد إياه الذي وقعت المرأة في هواه مصاب بمرض لانجاة منه، لابد أن يفضي به إلى.. الموت.
ذلك هو ساراماغو ، كما عهدناه، وكما نتوقع أن يكون في هذه الرواية وفي غيرها. ربما لهذا على وجه الدقة فإننا نجد أن صحيفة «واشنطن بوست» تستهل عرضاً مطولاً لها عن الرواية بالقول: الموت في اجازة؟ قد يبدو لنا هذا الطرح مألوفاً، بل ومألوفاً للغاية، بل أقرب إلى الكليشيه، لكن ساراماغو يملك موهبة أن يسبقنا دوماً بعشر خطوات على الأقل، ويجمع بين طرح الاهتمامات الفلسفية العتيقة والمشكلات التي تؤرقه، مشكلاته، مشكلاتنا، والتي تثير مزيجاً من المرارة والضحكات».
البحث عن المعنى الهارب
«ارتدت المرأة التي اتخذ الموت إهابها الفستان الجديد الذي اشترته بالأمس من متجر في وسط المدينة، ومضت إلى الحفل الموسيقي. وهي تجلس وحيدة في المقصورة وتنظر إلى عازف التشيللو. قبيل انطفاء الأنوار، عندما كانت الفرقة الموسيقية تنتظر قدوم قائدها. وقد لاحظها العازف، ولم يكن الموسيقى الوحيد الذي لاحظها. أولاً، لأنها كانت الوحيدة في المقصورة، وهو أمر على الرغم من أنه ليس بالنادر إلا أنه لم يكن أيضاً متكرراً بشكل كبير.
وثانياً، لأنها كانت جميلة.. جميلة بطريقة شديدة الخصوصية، تستعصي على التحديد، لا يمكن أن تصاغ في كلمات، شأن بيت من الشعر يراوغ بصورة مستمرة معناه المطلق المترجم فيستعصي عليه بلوغه، وأخيراً لأن قوامها الوحيد، هناك في المقصورة، وقد أحاطه الهواء والغياب من كل جانب، كأنما هي تسكن الخواء، بدا التعبير عن العزلة المطلقة».
مقتطف من رواية «الموت على مراحل»
الكتاب: الموت على مراحل
تأليف: خوسيه ساراماغو
الناشر: هارفيل سيكر - لندن 2008
صفحات: 208 صفحة
القطع: المتوسط
Death at Intervals
Jose Saramago
Harvill Secker, London, 2008
208 P

