يرى الباحث فوزي الزمرلي في كتابه الجديد «شعرية الرواية العربية» ان الرواية في الغرب قد هيمنت على سائر الاجناس الأدبية، ثم تسربت إلى العالم العربي خلال عصر النهضة، ففتنت مجموعة من أدبائه وقادتهم إلى التسليم بأنها من أهم المعايير الحديثة التي تقيس درجة ارتقاء الآداب ومن اجل ذلك نسبوا قسماً من نصوصهم القصصية إلى الجنس الروائي عنوة وأمعنوا في اقتفاء آثار الروائيين الغربيين.

يجد الباحث ان روايات نجيب محفوظ استرعت انتباه النقاد داخل العالم العربي وخارجه، رغم دورانها في فلك الرواية الغربية، نظراً إلى تنوع انماطها وثراء محتوياتها السردية وانفتاحها على واقع مجتمعها، وتمكنها من الارتقاء بمنزلة ذلك الجنس الدخيل على الأدب العربي. وليس غريباً ان ينتقي نجيب محفوظ كتاب «ألف ليلة وليلة» ليثبّت به خطواته على درب تأصيل الرواية العربية، نظراً إلى المنزلة التي احتلها ذلك الكتاب في حقل الفنون السردية. ومن العسير ان نعتبر عنوان رواية «ليالي الف ليلة» وعناوين فصولها المحيلة على كتاب «الف ليلة وليلة» شواهد كافية على ان نجيب محفوظ جنح إلى تأصيل روايته تلك.

ان المناقلات التي توصل اليها نجيب محفوظ لتغيير جلّ اركان كتاب «الف ليلة وليلة» هي التي مكّنته من تذييل احدى حكاياته الإطارية بنصّ سردي تخيلي استغرق زمن احداثه السنوات السبع التي تلت العفو عن شهرزاد. ومن هنا تميّز نص «ليالي الف ليلة» من النصوص اللاحقة التي تتخذ نهايات نصوصها السابقة منطلقاً لأحداثها، إذ ان تلك الوجهة ادّت بالضرورة إلى اضافة معان جديدة إلى النصوص السابقة.

وعن «الرواية العربية ونصوص الحكم الحقيقي التخييلي في التراث العربي» يعتبر الباحث رواية «نوّار اللّوز» لواسيني الأعرج انموذجاً للرواية التي لا تتبع نموذج الرواية المشرقية ولا الرواية الغربية ليظهر خصوصية لونها المحلي. فقد اتخذ واسيني الأعرج عبارة «نوّار اللوز» عنواناً رئيسياً لنصّه السردي، من دون ان تكون تلك العبارة محيلة على جنسه الأدبي أو مفصحة عن مضمونه.

اما العنوان الفرعي «تغريبة بني هلال» ذلك ان هلال بن عامر هو الجدّ الاعلى لجميع الهلاليين الذين تناقل الرواة الشعبيون سيرتهم، ووسموا مرحلتها الثانية والأخيرة بـ «تغريبة بني هلال»، ويقرأ الباحث رواية «نوّار اللوز» في ضوء مصاحبها النصّي فيجد ان واسيني الاعرج احتال كل الاحتيال ليخدع الرقابة السياسية، ويحجب عن عيونها المنافذ التي تشي بانتمائه الايديولوجي أو تدلّ على انه يدين حكام بلده الحاليين.

وعن «الرواية العربية ونصوص الحكي الحقيقي في التراث العربي» يرى الباحث ان جمال الغيطاني في روايته «الزيني بركات» قد حوّل كتاب «بدائع الزهور» تحويلاً مباشراً ليولد منه رواية «الزيني بركات» ويعتبر الباحث ان الرواية انموذجاً للروايات التي نحت ذلك المنحى التأصيلي. إلا ان ميله إلى دعم تلك العملية الاجناسية بمحاكاة قسم من الانماط التخاطبية والاجناس الادبية وغير الادبية التراثية قد دلّ على مسلك آخر من مسالك تأصيل الرواية العربية، وأظهر انه فرّع مسلكه الرئيسي ليوطد علاقات روايته بالتراث.

وهكذا يتضح لنا ان روايات «ليالي الف ليلة» و«نوّار اللوز» و«الزيني بركات» قامت بالدرجة الأولى على تحويل نصوص تراثية تحويلاً مباشراً، رغم اختلاف انماط الحكي التي انتمت اليها تلك النصوص. ولئن مثلت كل رواية منها انموذجاً للروايات التي سلكت ذلك المسلك التأصيلي الرئيسي، فإن علاقاتها الفرعية بالتراث السردي العربي كشف عن مجموعة من المناحي الأخرى التي يمكن ان تنحوها الروايات المنخرطة في موجة التأصيل.

المؤلف في سطور

فوزي الزمرلي باحث تونسي من مواليد 1948 بقليبية، استاذ التعليم العالي بكلية الآداب بمنوبة جامعة منوبة - تونس، مختص في الرواية العربية، الشعرية، الفنون السردية في الأدب العربي القديم والحديث، المناهج النقدية الحديثة. عضو اتحاد الكتّاب التونسيين، عضو لجنة تحكيم جائزة الكومار للرواية. شارك في معظم الندوات والملتقيات العلمية المتعلقة بالأدب العربي الحديث في تونس وبعض البلدان العربية.

من كتبه : «الكتابة القصصية عند البشير خريّف» تونس، «البشير خريّف : بلاّرة» (تقديم وتحقيق) تونس، «البشير خريّف: برق الليل» (تقديم) تونس، «الدكتور فريد غازي» (مقالات مختارة) تونس، «محمود بيرم التونسي مذكراتي» (جمع وتقديم) تونس. من كتبه الجماعية : «ملتقى الروائيين العرب الاول» سوريا، «عالم محمود طرشونة الروائي» تونس، «البشير خريّف في عيون النقاد» تونس. له مقالات ودراسات متنوعة منشورة في الصحف والدوريات العربية معظمها متعلق بالأدب القصصي والروائي.

تراكم النصوص

رغم ان خطى الروّاد الأوائل في الرواية العربية قد ارتبكت على درب الجنس الروائي الغربي الدخيل، فإن انضمام بعض اعلام الأدب العربي إلى قافلتهم ادّى إلى تراكم النصوص الروائية تراكماً غمر اصوات الذين نسجوا على منوال لون من ألوان التراث السردي العربي.

د.وانيس باندك

الكتاب: شعرية الرواية العربية

تأليف: د. فوزي الزمرلي

الناشر: مؤسسة القدموس الثقافية - دمشق 2007

الصفحات : 583 صفحة

القطع: الكبير