يبرز الكاتب نجم الدين سمان في مجموعته القصصية الجديدة «6 قصص، و7 كواليس» دور الأنثى في حياة الرجل حيث تجري القصة بين رجل وامرأة، أو بين صوته وصوتها ثم تتداعى بينهما صور الذكريات إلى أيام الجامعة في حديث شيّق يدور حول أحاديث عفا عليها الزمن، ولكنهما يشعلانها من جديد. وتبدأ الثورة، ثورة الجسدين والحب واللقاء وذكريات الأمس التي لن تستعاد، لكن هناك من يدقّ على سطح الذكرى، ليشتعل الحبّ من جديد.

يحاول الكاتب أن يقترب أكثر، فيقرّب لها الصّورة، يسألها إن كانت لا تزال تذكر صورته، فتجيبه هي : ربمّا بسبب البعد الزماني أو المكاني، سيّان، فيجيبها صوته : «حدقي في أي عتمة ستريني». ولكنها تريد صوته حينما يتجسد، تريد صورته، فلماذا العتمة ؟وهنا يحاول الكاتب أن يجيبها على سؤالها بلحظة صوفية نابعة من صميم وجدانه، يتجلى فيها الإشراق بنوره الذي يعلو كل نور، وببهائه الذي لا يعدله أي بهاء. فإذا التقينا في نور ينكسر المعنى عند ذلك سوف تجيبه، كأني أعرفك، بل إني أعرفك، وهنا ينقطع الصوت، وتبدأ التداعيات.

وفي «كواليس مسرح المدينة» نرى أشخاصاً، ممن يمتهنون حرفة المسرح، يتكلمون على انفراد، كل واحد كيف وصل إلى المسرح، وكيف كانت خطوته الأولى، فمن خليل الدومري إلى جنان الممثلة إلى نسيم إسماعيل الممثل إلى الديكوريست إلى الملقن إلى الكهربجي إلى المخرّج نسيم، ويوسف نجار المسرح، إلى الآذن أبو صالح، جميعهم يشاركون في مهنة واحدة، ويقصون علينا كيف جاءوا إلى المسرح وعملوا به.

في غرفة نوم «قيس وليلى» يتخيّل نجم الدين سمّان نفسه كرة حمراء في غرفة يجتمع فيها قيس مع ليلاه، وتشهد على حفلات العذاب التي يديرها الاثنان معاً تحت ظل الكرة الحمراء، لتكون ثالث اثنين في غرفة النوم. إنهما يجلسان في حارات مبلطة بالحجر فوق أبراج حلب وقلعتها وخندقها ثم يزوران النسيمي والكواكبي عبد الرحمن، وولادة بنت المستكفي وابن زيدون وأراغون لتكون حبيبته وتطوّح بكل ثيابها في أرجاء الغرفة ثم تتحول إلى عشتار، وهو جلجامش وأنكيدو «ليظل يرشفها كأنما قد تاه عن دياره دهراً، رشفته كماء الضحى وتوضأت بسرّه وسروره»، وينام قيس على ليلاه، فهل يشبهان موتها.

في قصة «حبس الدم» يجري الكاتب قصة حبّ بين عالم آثار ألماني وواحدة من هذا الوطن تدعى «شامة» تعمل معه نتيجة ما أصاب والدها، وهي تريد أن تعالجه من شلل نصفي، والكاتب في هذه القصة يبرز رائحة حلب والسجاد اليدوي العتيق، أطواق الفضة وأساور الذهب والحجر، المآذن بأجراس الكنائس، بالنساء البيض المتوردات، بالنساء الغامقات، لوحة من ألوان العيون ومن التقاليد ومن الأزمان تتجاور وتتداخل.

هذا ما رواه «هرمان» الألماني، وروى أكثر منه بكثير، روى زيارة مزار السهروردي وهو يعبر حارات حلب ومريدوه يتبعونه بالأذكار والتواشيح، ثم تأخذه الحالة فينضم إلى المريدين ويدور معهم حتى ينكشف الحجاب ويرى النور.كذلك في قصته «شجار بين جورية واس» يقيم الكاتب قصة حبّ جميلة بين الجورية والآس، إلى أن ينتشيا من حالة الحبّ هذه، إلى أن ينام الآس... على جو1ريته.

في قصص المجموعة ثمة حنين يصرخ بصوت عذب، إنه الحب الذي يهجس نجم الدين سمّان للعذاب البشري، فمنذ القصة الأوّلى هناك صوت واحد يعذبنا، يكوينا، إنه صوت الحبّ الصوفي، الآثر القوي الطاغي على المجموعة بأكملها، نجم الدين يتقن صناعة القصة القصيرة لأنه أخلص لها.

المؤلف في سطور

نجم الدين سمّان كاتب سوري من مواليد إدلب/ 1959، نشر عدداً من المجموعات القصصية، منها : حكاية تل الحنطة 1986 درب الأحلام، القاهرة 1989 الأنفاس الأخيرة لعتريس 1993 ـ ساعة باب الفرج، 1994ـ نون النسوة، 1995. ويعمل حالياً رئيساً لتحرير مجلة «شرفات» التي تصدرها وزارة الثقافة السورية.

فيصل خرتش

الكتاب: 6 قصص 7 كواليس

تأليف: نجم الدين سمّان

الناشر: وزارة الثقافة دمشق 2008

صفحات: 160 صفحة

القطع: المتوسط