يناقش الراحل صلاح الدين حافظ في كتابه الجديد «تحريم السياسة وتجريم الصحافة» الذي صدر قبل وفاتة بفترة قليلة القيود المفروضة على حرية الصحافة في مصر، والتي تؤدي إلى مزيد من الاحتقان، والذي لا يمكن تجاوزه إلا بصياغة جديدة لتلك الحرية ضمن إطار أوسع من الحريات العامة، مفهوماً ومعياراً وحدوداً.
في لمحة تاريخية عن الصحافة في مصر والعالم العربي يوضح الكاتب أن مصر ولبنان كانتا من أوائل الدول التي عرفت الطباعة ومن ثم الصحافة بمعناها الحديث، خاصة حين أحضر نابليون بونابرت أول مطبعة على ظهر سفن حملته العسكرية على مصر (1798-1803)، وأصدر أول صحيفة باللغة الفرنسية .
يتحدث الراحل صلاح الدين حافظ عن التحديات التي يواجهها الإعلام العربي عند اضطلاعه بدوره الطليعي الإصلاحي، والتي تتراوح ما بين تحديات داخلية تتمثل في التحريض ضد إطلاق حرية الصحافة والإعلام من خلال بعض الاتجاهات المتشددة داخل أنظمة الحكم، ومن بعض الجماعات الأصولية والتي ترى في حرية الصحافة والإعلام موجةً تغريبية معادية للثقافة العربية والإسلامية.
أما التحديات الخارجية فتمثلت ذروتها في الاتهامات الأميركية لبعض وسائل الإعلام العربية بالتحريض ضد المصالح الأميركية. ومن أبرز مظاهر الضغط الخارجي الهجوم الأميركي الرسمي على محطات تلفزيونية معينة مثل: الجزيرة والعربية وقناة أبوظبي. وقيام السفراء الأميركيين في بعض العواصم العربية مثل القاهرة والدار البيضاء بالهجوم العلني على بعض الصحف واتهامها بالبعد عن الحياد والموضوعية وعدم تحري الدقة.
أصبح اختراق الصحافة أمراً شائعاً وبأشكال مختلة. وإذا كان السياسيون وأصحاب القرار يمارسونه بقوة، فإن آخرين دخلوا المنافسة، خاصة رجال المال والإعلام والإعلان. ويعد اختراق الصحافة إفساداً للسياسة والعكس صحيح. إن تدخل السياسة في الصحافة لم يفلح في تسويق السياسات وتلميع السياسيين، كما أنه لم يصلح أحوال الصحافة، بل تركها نهباً للفساد والإفساد المنظم وغير المنظم.
إن استخدام الإعلان في الإعلام شيئاً مقبولاً، ولكن الغير مقبول مهنياً وأخلاقياً ومالياً وسياسياً، أن يتسرب هذا المال إلى قنوات أخرى غير شرعية، مثل خلط الإعلان بالإعلام، لخداع القارئ او المشاهد، فهو لا يعرف ما يقرأ سواء كان مقالاً للرأي أو خبراً أو معلومة أو إعلان غير صحيح وفضاح أو إعلان مدفوع الأجر.
ويؤكد الكتاب على مسؤولية كل من السياسة والصحافة في عرض وقبول إغراءات الاختراق والإفساد خاصة في ظل عدم القدرة على فض الاشتباك الحيوي بينهما، فهما، وكما يرى المؤلف، مرتبطان كالتوأم!!
لقد شكل الإعلام، ولا يزال، أحد عناصر قوة الدولة الحديثة، فكلاهما يستقوي بالآخر، وهو الأمر الذي يؤكد مقولة أن الدولة تحتمي بجهازي الأمن والإعلام، لكنها تتجاهل في ذات الوقت أن هذه الأوضاع الاحتكارية للسياسة والصحافة، قد سببتا تجمداً في الأوضاع العامة، وأغلقت كل الطرق أما مستقبل أجيال أخرى قادرة على التطوير والتغيير، وأطلقت العنان لحالة من الإفساد المتبادل.
لذلك لم يكن غريباً أن يتجمد الجميع في مناصبهم لفترات طويلة، وهم على يقين أن لا بديل لهم، كما أن ضمان بقائهم يرتبط بمدى ولائهم لصاحب القرار دون سواه. لذلك لم يعد مستغرباً أن يفقد الشخص العادي الثقة في الجميع، وأن يعبر تعبيراً سلبياً عن ذلك في عدم المشاركة في العملية الانتخابية على كافة المستويات، سواءً في القرية أو المدينة أو النادي أو الجامعة أو غيرهم.
في إطار هذه الثقة المفقودة والمصداقية الضائعة انحدرت مهنة الصحافة والإعلام إلى مستويات صادمة، تزامناً مع صعود كبير للإعلام المرئي المتمثل في هذا الكم الهائل من القنوات الفضائية والصحافة الإلكترونية وهو ما جذب شريحة كبيرة من المهتمين بالصحافة المطبوعة إلى تلك المسموعة والمرئية، بفضل سقف الحرية الغير محدود الذي تتمتع به دونما رقيب أو حسيب.
مع الأخذ في الحسبان بعض العوامل الأخرى المتمثلة في زيادة مستويات الأمية وانخفاض مستوى المعيشة في ظل الارتفاع العام في مستوى تكاليف الحياة، وهو ما دفع البسطاء للتركيز على شراء ما هو أهم من الجريدة.
مواضيع محرمة
يتناول الراحل صلاح الدين حافظ المواضيع المحرم على الصحافة الخوض فيها على مر العصور، وهي: المؤسسة الرئاسية، والمؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية. ويرى أن استمرار ضرب الستار الحديدي حول تلك الموضوعات، وعصمتها من النقد والتداول، يعني استمرار مصادرة حرية الاجتهاد وفي انتهاك حرية الرأي والتعبير. إن أخطر ما يعرقل تقدم وتطور الشعوب هو إضعاف مؤسساتها الدستورية وإفراغها من مضمونها، وإطلاق يد السلطة التنفيذية، بما يؤدي إلى تركز سلطة الحكم والحكمة، والمنع والمنح، في يد واحدة.
المؤلف في سطور
ولد الكاتب المصري صلاح الدين حافظ في عام 1938، وتخرج من قسم الصحافة في كلية الإعلام عام 1960. عمل في جرائد الأخبار والتعاون، حتى استقر في جريدة الأهرام.واحداً من أعلام الصحافة المصرية كان يشغل قبل رحيلة منذ حوالي الشهرين.. النقيب الأسبق للصحافيين المصريين، والأمين العام الحالي لاتحاد الكتاب العرب، وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان. له العديد من المقالات في الجرائد المصرية والعربية. صدر له اثنا عشر كتاباً وله اثنان تحت الطبع. من أهم كتبه: تزييف الوعي:أسلحة الدمار الشامل، وكراهية تحت الجلد، وتهافت السلام:المصير العربي في ظل الهيمنة الإسرائيلية، وعرب بلا غضب.
محمد جمعة
الكتاب: تحريم السياسة وتجريم الصحافة!
تأليف: صلاح الدين حافظ
الناشر: دار الشروق - القاهرة 2008
الصفحات : 314 صفحة
القطع: الكبير

