ولادة المسرح العربي تمت على يد «مارون النقاش» «1817 ـ 1854» بمسرحية البخيل والتي عرضها في باحة داره في بيروت عام «1848»، وكذلك في دمشق كانت ولادة المسرح السوري على يد رائد المسرح السوري العربي «أبي خليل القباني» «1833 ؟ 1902» بمسرحية «ناكر الجميل» والتي عرضها في بيت جده بدمشق. ولكن ما لا يعرف أن يوسف نعمة الله جد كان له قصب السبق في إطلاق نهضة مسرحية في القرن التاسع عشر في مدينته حلب بمسرحية عنوانها «بريجيت».

سادت فترة غامضة في تاريخ المسرح في حلب تعود إلى اواخر القرن التاسع عشر وذلك لعدم توفر الوثائق التي تؤكد على وجود المسرح بحلب في تلك الفترة، إلى ان قدّم الدكتور «جوزيف جد» حفيد «يوسف نعمة الله جد» نسخة عن مسرحية كتبها جده بعنوان «بريجيت» إلى الأوساط الثقافية بحلب عام «1993» عثر عليها في مكتبة جده وتعود إلى سبعينات القرن التاسع عشر، وهي إحدى خمس نسخ ارسل منها الى: معهد العالم العربي بفرنسا ـ مكتبة الأسد بدمشق ـ دار الكتب الوطنية بحلب ـ جامعة الكسليك في لبنان.

يذكر ان عرض هذه المسرحية كان يوماً مشهوداً في تاريخ حلب وفاتحة نهضة أدبية وفنية اقتدى به كثيرون. حضر هذه المسرحية نخبة من أعيان حلب ووجهاؤها وأدباؤها يتصدرهم «عثمان باشا» والي حلب مع كبار الموظفين، وقد ابدوا إعجابهم بالمؤلف، كما تبارى الشعراء في تقريظه بقصائد شعرية تمدح شخصه وعمله الفني الجديد، نُشر ذلك في كتيب صغير عام «1873»، وقد تجاوز عدد الشعراء الثلاثة عشر ثم أعيد عرض المسرحية فاستدعاه «عثمان باشا» واسند إليه مهمة ترجمان ولاية حلب وكافأته حكومة الباب العالي بالرتبة الثالثة، وقد شغل هذا المنصب مدة اربع وعشرين عاماً تعاقب عليه فيها سبعة عشر والياً، وكان موضع ثقتهم واحترامهم.

تقنيات المسرح العالمي

يستفيد «يوسف نعمة الله جد» في كتابة مسرحيته من تقنيات المسرح العالمي شكلاً ومضموناً، خاصة انه كان يجيد عدة لغات أجنبية وهذا يعني انه اطلع وقرأ المسرحيات العالمية بلغاتها الأم، مما جعل نصّه يوازي النصوص المسرحية العالمية آنذاك على مستوى اللغة المسرحية وتقسيم نصه إلى خمس فصول وتقديم المَشاهد التي تتالى ضمن تنسيق وترتيب، بالإضافة إلى تطور الأحداث ورسمه الدقيق للشخصيات وتطورها ومصائرها. كما تجاوز عدد الممثلين أكثر من أربعين ممثلاً جسّدوا فيها ادوار النساء أيضاً مما يدل على ضخامة العمل.

الجدير بالذكر ان المؤلف الذي اخرج المسرحية بنفسه اخذ على عاتقه كافة المصاريف والنفقات من ديكور وملابس وكل ما تحتاجه المسرحية من عناصر فنية حسب إمكانيات ذلك الزمان لإظهار عمله في أبهى صورة حباً منه لهذا الفن، أي انه كان مؤلفاً ومخرجاً ومنتجاً للمسرحية بمفهوم هذه الأيام. وقد وضع المجتمع الحلبي أمام فن جديد لم يعرفه سابقاً والذي تقبله بحب وترحاب بعكس المجتمع الدمشقي الذي رُفض من قبل المتزمتين الذين اعتبروه دخيلاً على طبيعة الحياة الدمشقية.

النذر الباطل

يستوحي «الجد» مسرحيته على الأغلب من الكتاب المقدس ـ العهد القديم، وتدور أحداثها حول «فيكتورين» وهي فتاة رائعة الجمال ذكية ونبيلة الأخلاق تؤمن بالاله الواحد، يرغمها والدها على الزواج من ملك وثني يُدعى «يفتاح» فترضى به على كره، وبفضل ذكائها تمكنت من ان تُدخل حب زوجها إلى قلبها وتعيش معه في صفاء ووئام، وكان ثمرة هذا الحب ولديهما «بريجيت وادوار»، يضطر «يفتاح» الملك إلى مغادرة عاصمته لاخضاع القبائل والشعوب الثائرة في الأطراف البعيدة من المملكة وانقطعت أخباره عن زوجته «فيكتورين».

وقد اثر ذلك على صحتها وعكر صفاء عيشها، وشعر ابنها «ادوار» الذي أصبح شاباً بما تكابده والدته جراء غياب ابيه فسار في أسطول ضخم لنجدته، وما كاد يقضي بعض الليالي في البحار حتى هبت عليه عاصفة هوجاء أغرقت سفنه ولم يسلم منها سواه مع قائده الأمين «أسيت» بعد ان قذفتهما الأمواج إلى شواطئ الحبشة فقبلهما مليكه؟

وأعجب بشهامة «ادوار» وجهزه بجيش ليواصل سعيه في سبيل نجدة أبيه، وكان والده الملك قد نذر انه إذا عاد إلى مملكته وأسرته ظافراً غانماً فانه سيضحي للالهة بأول شخص يقع عليه نظره في بلاطه، ولما عاد كانت «بريجيت» أول شخص يقع عليه نظره وهي تطير شوقاً لاستقباله ولما اراد ان يفي بنذره للآلهة انقياداً لنصيحة رئيس كهنة أصنامه، تتصدى له زوجته «فيكتورين» وتمنعه من تنفيذ نذره الباطل بقوة إيمانها وترجعه عن عزمه وتتمكن من استمالته إلى عبادة الحق بالإله الواحد والابتعاد عن عبادة الأصنام.

المؤلف في سطور

وُلد يوسف جد يوم الأحد في «27» فبراير من عام «1842» في حي الكتّاب بحلب في أسرة عربية اشتهرت أولاً بالطب ثم بالتجارة. والداه: نعمة الله بن يوسف جد وكاترين بنت انطوان بطق. بدأ دراسته في المدرسة المارونية بحلب التي كانت من أهم المدارس الراقية في ذلك العهد وأتقن مبادئ اللغتين العربية والتركية وأصول الحساب.

ولما كان والده موسراً ومحباً للعلم والثقافة أرسله إلى مدرسة عينطورة في لبنان، وهي من أشهر معاهد الشرق الثقافية في ذلك الزمان وتخرّج منها متقناً اللغات العربية والتركية والإيطالية والانجليزية ثم عاد إلى حلب ليعمل مع والده في التجارة وأخذ يفكر بالكتابة وكانت اولى مؤلفاته مسرحية «بريجيت» التي نالت شهرة واسعة في ذلك الوقت وبها افتتح عصر المسرح في سورية بالتوازي زمنياً تقريباً مع مسرحية «ناكر الجميل» لأبي خليل القباني.

توفي «يوسف نعمة الله جد» في العاشر من سبتمبر عام «1903» ورافقه إلى مثواه الأخير كبار رجال الولاية والوجهاء بعد ان ترك خلفه أول مسرحية في تاريخ المسرح الحلبي.

مواعظ وحكم

تقع المسرحية في «116» صفحة من القطع المتوسط مطبوعة في مطبعة لحلوح في مدينة حلب في أربعينات القرن الماضي، ومسرحية «بريجيت» التي ألفها يوسف نعمة الله جد قد عرضت على مسرح المدرسة المارونية عام «1872» وكانت لا تقل أهمية عمّا كان يقدمه آنذاك «ميخائيل ومارون النقاش» بما تتضمنه من حكم ومواعظ وأدب الروايات بل يتميز عمل «الجد» عمّا قدمه «النقاش» بأنه عمل من تأليفه بينما ما قدمه «النقاش» كان عملاً مترجماً.

مأساة تقليدية

لم يلق يوسف جد في حلب ما لقيه أبو خليل القباني في دمشق من رفض وحرق لمسرحه بعد رحيل الوالي «مدحت باشا» الذي كان يدعمه. وإذا كان المسرح الذي قدمه «القباني» كان يميل إلى الكوميديا والمسرح الاستعراضي، فإن «الجد» قدّم مأساة بأصولها التقليدية.

د. وانيس باندك