لا يعكس حضور السينما العربية في بلدان أميركا اللاتينية أو العكس مدى الصلات الاجتماعية والتاريخية القوية التي تربط بين سكان هاتين المنطقتين من العالم، وكل المحاولات التي بذلت حتى اللحظة في اتجاه ترسيخ حالة التناغم الطبيعية القائمة بين انشغالات الناس وهمومهم وتطلعاتهم راحت تتكسر على صخرة احتكار صناعة السينما في الولايات المتحدة ليس لسوق الأفلام في العالم الناطق بالاسبانية ونظيره الناطق بلغة الضاد فحسب وإنما لسوق الأفلام في جميع أنحاء المعمورة أيضا.

المسألة لا تحتاج لكثير عناء حتى يدرك المرء مدى التناقض القائم بين اتساع تأثير الجاليات العربية في بلدان أميركا اللاتينية وتأثيرها وتأثرها في مختلف مناحي الحياة هناك من جانب، وحضور السينما العربية أو الموضوعات العربية في السينما الأميركية اللاتينية من جانب آخر. من السهل رؤية شخصيات من أصول عربية تتبوأ مراكز مرموقة في ميادين شتى في بلدان أميركا اللاتينية مثل الاقتصاد والسياسة والمؤسسات الأكاديمية وحتى الغناء والسينما والتلفزيون وقائمة الأسماء العربية الرائجة على هذا الصعيد طويلة ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الملياردير المكسيكي اللبناني الأصل كارلوس سليم والرئيس الأرجنتيني السوري الأصل الأسبق كارلوس منعم والزعيم السياسي السلفادوري الفلسطيني الأصل شفيق حنظل والمغنية الكولومبية اللبنانية الأصل شاكيرا والممثلة المكسيكية اللبنانية الأصل أيضا سلمى حايك.

على الرغم من أن المهرجانات السينمائية في بلدان أميركا اللاتينية تستضيف عادة عددا من الأفلام العربية بينما تستضيف نظيراتها في البلدان العربية عددا لا بأس به من الأفلام الأميركية اللاتينية، إلا أن المقصود بالحضور السينمائي يتعدى المهرجانات السينمائية والمواسم الثقافية الدورية وصولا إلى عروض الأفلام العادية في الصالات السينمائية في أي وقت من السنة، ذلك أن هذه المهرجانات وتلك المواسم تبقى عاجزة عن إعطاء صورة حقيقية أو كاملة لواقع العلاقات الوثيقة والصلات المشتركة بين المجتمعات اللاتينية والمجتمعات العربية.

إذا كان من الممكن اعتبار المهرجانات السينمائية والمواسم الثقافية وحدة قياس تدل على مستوى التبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب، فإن العروض السينمائية الاعتيادية تبقى سيدة الموقف عندما يتعلق الأمر بتقييم حضور هذه التجربة السينمائية أو تلك في أي مكان من العالم. وهذا يعني أن هناك نوعين من الحضور الأول يمكن أن نسميه حضورا رسميا والآخر شعبيا، الأول له طابع مؤقت وجزئي ونخبوي والثاني دائم وشامل وجماهيري.

على مستوى المهرجانات السينمائية، يمكن القول إن القائمين على هذه التظاهرات الثقافية في العالم العربي حريصون على عرض نماذج من سينما أميركا اللاتينية أخذا بضرورات التنويع وإغناء تجاربهم واستغلال فرصة قد لا تتاح لهم ولا لجمهورهم خارج هذا الإطار الموسمي ، حيث لا تختفي الملصقات التي تعرض للأفلام القادمة من هوليوود حتى اثناء المهرجانات السينمائية الضخمة التي تشهدها البلدان العربية وبلدان أميركا اللاتينية على حد سواء، في مشهد يشي بأن هذه المهرجانات تبقى عابرة على ضخامتها بينما البقاء للعروض الاعتيادية التي تهيمن عليها سينما هوليوود.

عن حضور السينما العربية في أميركا اللاتينية ، تقول سلمى حايك، التي شاركت ، مؤخرا، في فعاليات الدورة السابعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، إن «حضور السينما العربية في بلدان أميركا اللاتينية ليس كافيا، فهناك الكثير من القصص العربية، التي لم يتسن لي رؤيتها» كما أعربت عن اعتزازها بعروبتها ورغبتها في إنتاج أعمال سينمائية عربية قائلة:« أنا أملك شركة للإنتاج ونحن نحاول عمل شيء على هذا الصعيد.

وأنا ذاهبة إلى أبوظبي ولقد تكلمت مع بعض الأشخاص المعنيين وأعربت لهم عن رغبتي في إنتاج فيلم عربي، فأنا أحب أن أمثل في فيلم عربي، لا بل إني أتصرف كامرأة عربية، فأنا عربية أصلا،ذلك أن جداي من طرف أبي لبنانيان وأحد جداي من طرف أمي مغربي وهذا يعني أن 70% مني عربية».

وإذا كان البعض يعتبر أن شهادة سلمى حايك مجروحة كونها عربية الأصل،فإن معظم السينمائيين القادمين من أميركا اللاتينية الذين شاركوا في مهرجان دبي السينمائي يؤكدون ما ذهبت إليه الممثلة الحسناء لجهة التأكيد على غياب أو شبه غياب السينما العربية في بلدانهم، إذ يؤكد المخرج ألأرجنتيني الشاب بابلو أغويرو الذي شارك في مهرجان دبي السينمائي بفيلم « سالماندرا»، الذي يروي تجربة أرجنتينية صرفة، على غياب السينما العربية في الأرجنتين.

لكنه يرد ذلك إلى أسباب تتعلق بعملية التوزيع ويقول:« ثمة مشكلة كبيرة فيما يتعلق بعملية التوزيع، التي تهيمن عليها الشركات والأفلام القادمة من الولايات المتحدة، فضلا عن عدم وجود اتصال فيما بيننا»، لكنه أضاف أن هذه المشكلة« لا تقتصر على السينما فحسب، بل تشمل جميع الصناعات الأخرى. هناك مشكلة احتكار اقتصادي، ناهيك عن أن الولايات المتحدة أدركت منذ وقت مبكر الأهمية الكبرى للسينما ودورها في الهيمنة الثقافية ونحن جميعا نتعرض لهذا الغزو الثقافي».

ويرى أغويرو أن هذا الواقع القاتم يشكل «عائقا جديدا أمام وصول السينما العربية أو أي سينما أخرى إلى أميركا اللاتينية إلى درجة أننا نشاهد في الأرجنتين سينما أميركية أكثر من الأرجنتينية نفسها». عما يمكن القيام به للخروج من هذا المأزق الثقافي، أكد أغويرو أن قضية التوزيع هذه هي قضية صناعية بعيدة كل البعد عن المضامين السينمائية، التي لا يشوبها أي شائبة.

فالمشكلة لا تكمن في أن العرب لا يستطيعون رؤية السينما الأرجنتينية ولا في أن الأرجنتينيين غير قادرين على مشاهدة السينما العربية، فهناك الكثير من القضايا المشتركة التي تجمع بين بلداننا مثلما توجد ثقافات وقضايا سياسية مشتركة تجمعنا أيضا. ما نحتاج إليه هو تصحيح عملية التوزيع».

أما عن حضور السينما الأرجنتينية، التي تتصدر صناعة السينما الأميركية اللاتينية، في العالم العربي، فلقد أعرب أغويرو عن دهشته حيال دعوته للمشاركة في مهرجان دبي السينمائي هذه السنة معتبرا هذه التجربة لطيفة جدا« لأنه هناك رغبة عارمة لتبادل التجارب»، لكنه أكد على عدم إلمامه الكامل بهذا الوضع، مما يحول دون القيام بتقييم عام لحضور السينما الأرجنتينية في العالم العربي.

يحتضن مهرجان دبي السينمائي، على غرار بقية المهرجانات السينمائية العربية، كل عام أفلاما قادمة من أميركا اللاتينية عموما ومن الأرجنتين على وجه الخصوص، حيث لاقى فيلم « يوميات دراجة نارية، الذي عرض في إحدى دورات المهرجان السابقة، ترحيبا كبيرا من قبل جمهور دبي المحب للسينما.

في هذا الصدد يرصد المخرج الأرجنتيني الشاب الكثير من الصلات الوثيقة بين التجارب الكفاحية والاجتماعية التي خاضتها شعوب هاتين المنطقتين من العالم على مر التاريخ، وأجرى في هذا السياق مقاربة بين كفاح الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي ونضال الشعب الأرجنتيني ضد النظام الديكتاتوري وقال إن «الإمبرياليين يستخدمون الأدوات ذاتها في جميع الأرجاء»، والمجتمع الأرجنتيني عانى من هيمنة الإمبرياليتين البريطانية والأميركية.

وبالتالي فإن مجتمعات أميركا اللاتينية والمجتمعات العربية تعيش العملية ذاتها، عملية دفعتها إلى إلى الكفاح من أجل بناء أوطان مستقلة وأكد أغويرو أن هذا التلاقح المصيري يوجد «الكثير من القضايا الثقافية والأوجاع المشتركة».

هذه الصورة القاتمة بعض الشيء تتخلها بعض التجارب المشرقة، التي نجحت إلى حد كبير في تسليط الضوء بصورة مشوقة على واقع هذا التداخل المتواري خلف هاتين التجربتين السينمائيتين، ومن أبرزها تجربة السينمائي التشيلي الفلسطيني الأصل ميغيل ليتين، الذي تمكن بجدارة ليس من خلق حالة تناغم جميلة بين طرفي هويته المزدوجة فحسب، وإنما من التوحيد بينهما بطرقة مبتكرة لا تعرف سبيلا للتعارض أو الاختلاف، وذلك لأن تجربته السينمائية الرائدة تنطلق، في المقام الأول، من الهم الإنساني العام الذي يجمع عليه كل الناس والمتمثل في ضرورة مد جسور التلاقي والحوار والتفاهم والتعاضد فيما بينها.

هذه التجربة الإبداعية الرائدة ، التي لا يزال ليتين يخوضها بعمق،ما كان لها أن تأخذ كل تلك الأبعاد بعيدا عن ذلك الإيمان العميق بأن السينما ابتكار صممه الإنسان ليعكس قضايا المجتمع ويسمو بوضع الإنسان ويسلط الضوء على معاناته لا سيما إذا كان الأمر يتعلق ببلدين ابتليا بحكم نظامين استبداديين وسادت فيهما المظالم على أوسع نطاق مثل تشيلي وفلسطين، الأمر الذي يعد نقطة الانطلاق التي تحرك على أساسها الكثير من المخرجين السينمائيين المعاصرين، الذين تمكنوا من أن يظهروا للعالم هموم شعوبهم.

حيث تمكن ليتين من أن يقدم من خلال أفلامه الشيقة واقع بلده تشيلي أثناء أسوأ فترة سياسية واجتماعية في تاريخ البلاد، تجسدت في طغيان ديكتاتورية أوغستو بينوشيه، التي حملته على المغادرة والعيش في المنفى، مثلما تمكن من تسليط الضوء على معاناة أبناء شعبه في وطنه الآخر فلسطين الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي بطريقة إنسانية شكلت جواز سفر دخلت بواسطته القضية الفلسطينية قلوب المزيد من شعوب العالم.

دهشة سينمائية

تؤكد المخرجة المكسيكية الشابة يولين أولايزولا، التي شاركت في الدورة الأخيرة من مهرجان دبي السينمائي بفيلمها الوثائقي الطويل الأول «علاقات شكسبير وفيكتور هوغو» أنها لا تعرف سوى القليل عن السينما العربية، كما أنها لا تعرف كيف تمت عملية اختيار فيلمها للمشاركة في مهرجان سينمائي عربي مثل مهرجان دبي، فلقد أعربت عن دهشتها حيال ذلك وقالت : «ربما شاهد أحد ما فيلمي في مهرجان تورنتو السينمائي أو مهرجان بيرو السينمائي ولفت انتباه القيمين على مهرجان دبي إليه».

أفلام ناطقة بالاسبانية

من بين أبرز التجارب السينمائية التي تستضيفها الدورة الجديدة من مهرجان دبي السينمائي الدولي تبرز تجربة الأفلام الناطقة باللغة الاسبانية الحاضرة من خلال أعمال قادمة من بلدان مثل اسبانيا (عريس لياسمينا) وفنزويلا (النظام) والمكسيك (ثورة تشي ـ علاقات شكسبير وفيكتور هوغو) والأرجنتين (سالاماندرا).

باسل أبوحمدة