يستمر الفنان التشكيلي السوري صفوان داحول باجتراح فعل الفن المعجون بحزن صامت لم يفارقه منذ اهتدى إلى الصيغة الفنية البسيطة، والمكرورة، التي يشتغل عليها منذ ما يربو على عقد من الزمن، والقائمة على تبسيط واختزال شديدين، لتضاريس الهيئة الإنسانية وتحويلها إلى مساحات لونية قوامها الأساس، البني والأصفر ومشتقاتهما.
الحزن الصامت هذا، تكرس وازداد قتامة وألماً، برحيل زوجته نوار ناصر بعد صراعٍ طويلٍ مع مرض عضال طاولها وهي في قمة شبابها وعطائها، ذلك لأن نوار هي الأخرى، فنانة تشكيلية، وإحدى خريجات كلية الفنون الجميلة بدمشق، ولها باع طويل في مجال إنتاج اللوحة، التي قدمتها للناس، عبر سلسلة من المعارض الفردية والجماعية، وكان لديها مشروعها الفني الهام الواعد، لو أمهلها القدر لتحقيقه. أقام صفوان مؤخراً، معرضاً لأعماله في صالة «أيام» بدمشق، ولمدة يومين فقط عنونه بعبارة «إلى نوار» أراده تلويحة وداع أخيرة لرفيقة عمره التي أهدته ثلاثة أولاد، أكبرهم طرق باب الفن هذا العام، بتقدمه لمسابقة القبول في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق.
فالفنان داحول القادم من مدينة السلمية والمولود في حماة عام 1961، درس التصوير في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق وتخرج فيها عام 1983. تابع دراسته في نفس الكلية وحصل على الدبلوم. عُين معيداً في قسم التصوير بالكلية ثم أوفد إلى العاصمة البلجيكية «بروكسل» فحصل على درجة الدكتوراة في الفنون وعاد ليعمل مدرساً في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق اعتباراً من العام 1997. أقام العديد من المعارض الفردية داخل سورية وخارجها، وهو مشارك دائم في المعارض الجماعيّة والدوريّة.
بعد متابعة متواصلة لتجربته، مذ كان طالباً في محترفات كلية الفنون الجميلة بدمشق وحتى مشاركاته الأخيرة في عدة بيناليات ومعارض جماعية عديدة أُقيمت في أكثر من مدينة سورية وعربية. أستطيع التأكيد، أن لوحة صفوان داحول، أصبحت اليوم، تمتلك جملة من المقومات والمرجعيات البصريّة المتفردة التي لا تزال تتحرك ضمنها، منذ امتلكت ملامح تفردها الأولى وحتى اليوم، رغم تلون مصادر ثقافة صفوان الفنيّة التي ابتدأت في دمشق.
وانتهت في العاصمة البلجيكية بروكسل وقبل هذا وذاك، الإعجاب والولع اللذان قاداه إلى خصائص ومقومات المرحلة الأخيرة من تجربة الفنان التشكيلي السوري الراحل لؤي كيالي التي كرسها لموضوعات إنسانيّة شفيفة وبسيطة، ولصيغة تشكيليّة جديدة على تجربته، تفردت بجملة من الخصائص منها قلة الألوان وشفافيتها، وحضور الرسم «الخط» وقوة التعبير، رغم بساطة المفردة التشكيليّة التي اتكأ عليها.
فصفوان الذي أتقن تصوير حزنه الشاعري الصامت القادم من حالة وجد رقيقة، يعيشها مع أسرته وموجودات بيته، بكثير من الحميميّة والصدق والتماهي اللافت، بين الهم الشخصي والهم الجمعي، وبالتالي التعبير عنه بلغة بصريّة مختزلة وبسيطة، قوامها الشكل الإنساني الذي لم يجهد نفسه كثيراً في البحث عن هيكليته وملامحه، وإنما أخذه من المحيط الأقرب إليه: من بيته الصغير، فكان هو وزوجته، المادة الرئيسة للوحته التي غاب هو عن أغلبيتها مؤخراً، لتقتصر على امرأة ذات ملامح واحدة، وتعبير واحد أيضاً !!.
فقد اقتصرت أغلبية لوحاته الأخيرة التي قدمها في أكثر من معرضٍ فرديٍ وجماعيٍ داخل سوريا وخارجها، على المرأة المفردة، وهي إما جالسة فوق كرسي(وأحياناً فوق كرسيين) وإما فوق كنبة، أو خوان، أو فوق المسامير كما في حالة الفقير الهندي. وهذه المرأة في غالبية لوحاته، متجمعة على بعضها، غارقة بحزنها النبيل، وصمتها البليغ، وانتظارها الملول الذي لم يقتله «ورق اللعب» ولا محاولة الإغفاء، والتغلغل في متع الحلم ولذائذه.
لقد ظلت هذه المرأة، وفي الحالات والوضعيات كلها، مسكونة باليقظة والنظرة المنكسرة. تحاول الارتخاء ودخول منعرجات الحلم والتخيل، لكن دون جدوى، بدليل الحركة النزقة لأصابع يدها المحفوفة بالرقة والعذوبة والانفعال في آنٍ معاً. وهذه الأكف والأصابع المتميزة الشكل والحركة، والمبالغ في طولها ورفعها، عناصر تشكيليّة وتعبيريّة مهمة في لوحة صفوان داحول. فمن خلالها يحرك مساحات مصمتة وواسعة فيها، وباختفاء هذه الأكف تحت الثوب أو أي عنصر أخر فيها، تهدأ اللوحة وتصمت، ذلك لأن صفوان يعتمد على أقل ما يمكن من الألوان، في عملية بناء عمارتها، وعلى القليل من المفردات والرموز أيضاً.
الولع بالخط
يمكن التأكيد على أن الفنان صفوان داحول، لا يُعول كثيراً على اللون في البناء التشكيلي والتعبيري للوحته، إنما على الرسم القوي الحاضن لعناصرها وألوانها بإحكام. والرسم عنده، وسيلة رئيسة وأساسية في نهوض هذا البناء. فمن خلاله يبني هيكليّة عناصر لوحته وشخوصها، وبه يُعبر أيضاً !!.
يقول صفوان أن الخط بالنسبة له، عنصر أساس في لوحته، يساعده في اختصار ما يريد قوله، وهو ولعٌ بالخط ويقترب من خلاله أكثر باللوحة، وبشيءٍ من المودة والتوحد. أما حول اللون فيقول انه استخدم، ربما، جميع الألوان، لكن دون أن يتمكن من وضع تفسير مقنع لاستخدامه هذا اللون دون ذاك، وأحياناً كثيرة يجد نفسه أسيراً لهذا اللون، معتقداً أنها مرحلة أو فترة، لكن مع ذلك، يبدو عاجزاً تماماً، عن تفسير سر هذا الهوى أو الميل، مما يعزز القناعة لديه، أن حب لون أكثر من غيره هي حالة لا إراديّة !!.
في المراحل المبكرة من تجربته، قدم الفنان داحول شخوصه عارية، مختزلة، لوناً وملمساً، أما في أعماله الأخيرة، فالمرأة لديه لابسة أو متدثرة. في الحالة الأولى يقتصر التكوين عليها وعلى ثوبها اللصيق بجسدها الغارق بالصمت والسكون والانكماش. وفي الحالة الثانية، يتحرك التكوين، من خلال التجعدات والثنيات الكثيرة التي أحدثها في القماش، وفي الحالتين، نجد أنفسنا أمام كتلة متماسكة الشكل مؤطرة السطوح، إنسيابيّة العناصر، متصلة الكتل، قوية الحضور في فراغ اللوحة، مما يقربها كثيراً من المنحوتة التي يرتد كل شيء فيها نحو الداخل، وهذه الخصائص مجتمعة، تفردت بها لوحة صفوان منذ وصلت تجربته إلى المرحلة التي قارب فبها تجربة الراحل «لؤي كيالي» أواخر حياته، هذه التجربة التي أحبها صفوان وتعلق بها إلى حد كبير.
من جانب آخر، فإن هذه الخصيصة التشكيليّة البارزة في لوحته الأخيرة، تشير بشكلٍ أو بآخر، إلى ولعه بفن النحت، وليس غريباً أن يكون مسكوناً بنحات ينتظر فرصته ليأخذ طريقه إلى التعبير المجسم، وهذه حقيقة أكدها لي صفوان الذي التزم، منذ البدايات الأولى لتجربته الفنيّة، التعبير عن جوانيّة الإنسان وأزماته التي بألف شكل ولون، بِدأً من الخواء الداخلي، وحصارات الروح، وبرودة العصر، وفراغ الحياة ورتابتها، وسطوة العادة والتعود، ووحدة المرأة وانعزاليتها وحزنها النبيل الصامت، والتصاقها الأزلي بالأطفال والأرض والوطن وموجودات البيت، وانتهاءً بالتحديات المختلفة والملتبسة التي يفرزها عصرنا كل يوم، تحت هذا العنوان أو ذاك.
لغة تشكيلية ثابتة
رغم حالة الحزن الكبيرة والمسيطرة على حياة صفوان، تتابع تجربته الفنية حضورها في ساحة التشكيل السوري والعربي، بكثير من البهاء والفاعلية والتفرد، مشكلة ملمحاً خاصاً، يحتضن سمة إنسانية شفيفة، تعكسها بعمق، لغة تشكيلية مواكبة.
الرموز والمفردات
ازدادت في لوحته الاخيرة هذه المفردات والعناصر والرموز قلةً، وازدادت الألوان كموداً وقتامةً. فاللون الأسود المعجون بالقليل من البني والجنزاري والكحلي، هو السائد والمسيطر على بنية اللوحة وعناصرها، رغم وجود بؤر ضوئيّة كثيرة، يحرص صفوان على نثرها في أكثر من موضع في جسد اللوحة.
د. محمود شاهين

