تعتبر رواية «بر دبي» لمؤلفها زياد زياد عبدالله روايات مكان وشخصيات في آن، ويعمل على تقديم الجانبين راو أساسي يساعده في ذلك رواة آخرون، يروون حكاياتهم كي يكشف كلّ منهم وبنفسه عن معاناته في ما يمكن تسميته بالعالم الجديد الذي تشكّل اقتصادياً واجتماعياً في منطقة عربية، لتصطدم الشخصيات بقواعد السلوك المختلفة التي تفرضها شركات عملاقة دأبها الحفاظ على سمعتها والربح، وبالتالي فإن العامل طالما ظلّ خاضعاً لمشيئاتها.
من هنا، فإن الشخصيات سوف تمثّل رمزياً بعض إشكاليات الإنسان العربي وهو يواجه مجتمع ما بعد الحداثة، فمن ناحية بعض هذه الشخصيات قدم من مجتمعات أخرى مازالت علاقات الإنتاج فيها بسيطة، والحراك الاجتماعي فيها بطيء وتسوده قيم مغايرة، وبالتالي فإنها غالباً ما ستشعر بوطأة أنظمة العمل عليها وصعوبة الاستمرار فيه كحال يوسف الرشيد الذي يعمل في أحد مطاعم الوجبات السريعة وقد تدرّج في وظيفته من حارس إلى الوقوف خلف الكاونتر يتلقى طلبات الزبائن، وما بينهما رحلة طويلة من المعاناة: السكن المشترك، العمل الأوتوماتيكي لمدة ثماني ساعات تتخللها ساعة استراحة واحدة يقسّمها أرباعاً، الدخل المتواضع، الالتزام بأهله في وطنه نظراً لأن والده توفي في حادث مؤلّم، ولكن إلى متى يمكن لشاب في مقتبل العمر أن يتحمّل مثل هذه الأوضاع؟
إن معاناة يوسف الرشيد في المكان ستمثل إلى حدّ ما معاناة جيل بأكمله يعيش في النظام الجديد، وفي الوقت نفسه تشدّه القيم والعلاقات الأسروية والثقافية إلى نظام آخر يراه أكثر دفئاً وإنسانية، الأمر الذي يجعله نمطاً قلقاً على الدوام وغير متأقلم. أو كحال «هدى» الشخصية النسائية الثلاثينية التي لم تتكيّف بدورها مع النظام وما زالت تتمسّك ببعض الرومانسية القديمة لحبّ ضاع منها وجاءت دبي بحثاً عنه، أما «حسن المطوي، المحاسب في شركة عقارية فهو يعاني من مزاجية ربّ عمله العربي، وهو لذلك يعيش حالة قلق دائمة على مصيره ومصير أسرته.
أما يوسف المشهداني الذي يعمل في مجال الإعلان، فهو يعاني من أزمات أخرى لا علاقة لها بالوضع المادي، لأنه يحقق دخلاً عالياً في عمله، إلاّ أنه يعاني من صراع داخلي يتمثّل في انتمائه الثقافي، فهو موزّع ما بين أب عربي وأم إنجليزية، وهو بدوره تزوّج من إنجليزية وأنجب منها طفلاً مازال يعيش في انجلترا مع أمه المطلّقة، فبات ابنه مصدر استمراريته في الحياة، ولذلك نجده يتابع أخباره عبر الإنترنت كلّ يوم.
وإلى جانب هذه الشخصيات الرئيسية ثمة شخصيات يمكننا تسميتها ب«شخصيات ظلّ» تعمل على تفعيل الأحداث وتصعيدها درامياً، حيث وظّف المؤلّف وبذكاء ثلاث شخصيات إضافية إلى جانب كلّ شخصية مما سبق، فيوسف الرشيد وباسل عرنيس سيكوّنان ثنائياً متكاملاً ومتناقضاً في وقت واحد، وكذلك يوسف المشهداني ومصطفى غدير بدورهما سيكوّنان هذا الثنائي؛ يتحاوران دائماً ومن خلال حوارهما يمكن الكشف عن الكثير مما يراد إيصاله، وإن كانت شخصية مصطفى غدير تحتاج إلى دراسة إضافية وربّما تفعيلها على نحو درامي جاذب، سيما وأن شخصيته وثقافته جديرتان بذلك.
إلاّ أن الشخصية الثالثة ستكون أكثر إشكالية، فهي شخصية ورقية استحدثها يوسف الرشيد خلال كتابته مذكراته، وسمّاها «أعزم» كشخصية حلمية تعبّر عما يريد فعله ولا يستطيع، ليحوّل عجزه هذا إلى نصّ إضافي سيتموضع في نهاية الرواية ونظنّ أن هذا النصّ لم يقدّم أية إضافة إنسانية أو جمالية، كما أنه أسلوب اتّبعه بعض الروائيين لاستدراك ما فاتهم إبّان تقديم شخصيتهم الأساسية، أو ظنوا أنه فاتهم كحال زياد عبد الله، وبرأينا أن شخصية يوسف الرشيد كانت قد استوفيت على نحو مثير في فصول الرواية، وقد توضّحت على نحو واف لا يستدعي تقديم المزيد من الكشف عنها.
وفي العموم يمكننا إدراج هذه التقنية في حقل التجريب والسعي إلى تبيان بعض المهارات السردية، بالرغم من أن الشخصيات جميعاً بما فيها شخصيات الظلّ استوفت ذلك، وحققت المتعة والإدهاش المطلوبين.
مشروع روائي
زياد عبد الله في «بر دبي» مشروع روائي أعلن عن نفسه بقوّة، ولا نظن أن هذه القراءة السريعة تفيه حقّه في التقديم، نظراً لأن روايته تحتوي على الكثير مما يمكن الحديث عنه سواء من حيث اختياره دبيّ كحيّز مكاني لأحداث روايته، أو من حيث التقنيات السردية التي وظّفها لإيصال فكرته إلى قارئه، هذا إلى جانب لغته السهلة والعميقة والتي يمكن اعتبارها إضافة حقيقية.
الرواية والتناص
تحفل الرواية بالكثير من التناصات والمتفاعلات النصّية التي تكشف عن ثقافة الروائي وخصوصاً في الجانب المتمثّل للثقافة الغربية من خلال السينما ونجومها والأدب والموضة كذلك، ولتكشف بدورها عن مدى حضور هذه الثقافة في المجتمع الجديد المكوّن من نحو مئتي جنسية تتجاور وتتفاعل في أمكنة محدودة، لتشكّل بذاتها مادة روائية غنية بالحكايات والقصص بما يمكن تعميمها إنسانياً.
عزت عمر
