يحفل أدب الطفل عربيا بمشكلات وقضايا تحول دون وجوده فاعلا ومؤثرا حقيقيا في تشكيل الطفل - المستقبل، فهذا يعني أن هناك أزمة تستحق التوقف أمامها والبحث لها عن علاج، فأدب الطفل في كل العالم يحظى باهتمام وتقدير باعتباره مدخلا للمستقبل، بل وعلى ضوئه يمكن استكشاف هذا المستقبل، لا أحد ينكر أن هناك جهودا هنا وهناك عربيا تدعم وتساند وتعمل على وجود أدب طفل، لكن هذه الجهود مليئة بالمصاعب، وفي هذا التحقيق نحاول مع نخبة من الاختصاصيين بأدب الطفل أن نرصد هذه المشكلات والاقتراحات المطلوبة والضرورية لتعزيز دوره الريادي.
محمد الحمامصي
يعقوب الشاروني أحد رواد الكتابة للأطفال يقول: لابد أن نعترف بأن من يكتبون للأطفال بحاجة الى كثير من الخبرة وهذه الخبرة لا تأتي إلا بوجود حركة نقدية توازي حركة الإنتاج والكتابة للأطفال، الحركة النقدية في مجال أدب الأطفال لا تزال في بداياتها، ربما عدد قليل من كتاب الأطفال نوقشت حولهم رسائل ماجستير والدكتوراه وصدرت عنهم بعض الكتب، إننا نحتاج الى عشرات الدراسات والمتابعات النقدية لتقييم هذه الكتابة، وأيضا نحن في حاجة الى دراسات في فن الكتاب للأطفال والتي هي قليلة جدا في العربية، بينما نجدها بالعشرات في اللغات الأجنبية.
وتحدث الشاروني عن مشكلة الأمية خاصة في مصر حيث تشير الإحصاءات ان 35 لا يعرفون القراءة والكتابة فلابد أن أقول أن هناك 35% آخرين لا يجيدون القراءة والكتابة، فإذا كان عندنا 70% لا يستطيعون قراءة كتاب بطريقة ناجحة او لا يستطيعون القراءة أصلا، هذا يضيق إلى حد كبير مجال قراءة الكتاب عامة وكتاب الطفل خاصة.
إن تحدي الأمية هو أول وأكبر التحديات التي تواجه الكتاب والمؤلفين للطفل. الأمر الثاني أن الأسرة في مصر والعالم العربي لم تتعود على الشعور بأن أحد مهامها الأساسية هو تنمية عادة القراءة عند الأطفال، خاصة مع هجمة وسائل الإعلام الأخرى من تليفزيون وفيديو وانترنت، وكل هذا يبعد الطفل عن الكتاب. لكن أحب أن أذكر أيضا ان الإنسان لا يمكن أن يتعامل مع الكمبيوتر والانترنت إلا إذا أجاد عملية القراءة.
أيضا لابد أن ألفت النظر إلى أن هناك الكثير من الناشرين الذين ليس لديهم خبرة كافية باختيار الكتاب المناسب لا في موضوعه ولا في رسومه للمستويات المختلفة من العمر، لهذا لابد أن تكون هناك حركة نقدية تواكب انتاج الأطفال حتى يتضح أمام المستهلك سواء كانت الأسرة أو أمين المكتبة لمعرفة الكتاب الجيد من الكتاب غير الجيد، وأن نفتح الطريق أمام الكاتب والرسام التعرف على أفضل الطرق للارتقاء بإنتاجه.
المترفون إن حكوا!
أما الروائية والكاتبة والناشرة اللبنانية رشا الأمير تقول : يستيقظ أطفال عرب كثيرون ولا يذهبون، رغم كلّ ما حاولته دولهم، إلى أيّة مؤسسة تعليمية. وإن ارتاد من حالفه الحظ مدرسة أو شبه مدرسة، مجّانيّة أو مدعومة فلبضع سنوات لا غير قبل الدخول في مرحلة يطلق عليها علماء الاجتماع اسم »التسرّب« المتسربون والمتسرّبات ومن أنجبهم، وهم سواد أعظم في بلادنا، لا يطرحون على أنفسهم أسئلة الترفيّه هذه عن أدب الأطفال وكتبهم.
استيقظ العرب ذات يوم، واكتشفوا أنّ ما كتبه كامل الكيلاني، مشكوراً، ذات يوم للأطفال لم يعد كافياً فحاروا وداروا وألّفوا اللجان وكتبوا التقارير، ودعموا ما قد يعين براعم هذه الأمّة على النهوض. ستّون عاماً وبلادنا سجينة الحروب والمآسي. ستون عاماً و الغيورون، وهم كثر، يحاولون ولا ييأسون من تأسيس ما نصبو إليه جميعاً.
كتب الأطفال الرفيعة المستوى موجودة في السوق اللبناني، والشكر يذهب إلى مبادرات فردية رائدة تستحقّ الثناء. هذه الكتب الممتازة المفرحة المكتوبة والمرسومة بعناية وحب لا تغادر لبنان عادة إلا كي تحطّ عند عرب الشتات الساعين لعدم قطع علاقة أطفالهم بمواطنهم الأصلية ولغتهم الجميلة، رغم قدمها ووعورتها.
الأدب أفضل حالا من كاتبه!
ويقول الروائي وكاتب الأطفال د.السيد نجم : أن منتج أدب الطفل العربي، خلال العقدين الأخيرين، يفوق مجمل ما أنتجته القريحة العربية خلال القرن العشرين الميلادي بكامله. نظرا لزيادة الانتباه لأهمية بل وضرورة رعاية الطفل وأدبه، على مستوى المؤسسات الرسمية والحكومات.
إلا أن واقع الحال يؤكد عدم تفعيل زأدب الطفلس بما نرجوه له، في حياة الطفل وتوجيهه وتنشئته، بحيث يصبح أدب الطفل هو اللبنة الفكرية الأولى الفاعلة في تشكيل وجدان وفكر الطفل العربي.
كما أن المنتج الأدبي/الثقافي للطفل، غالبا لا يراعى المراحل العمرية للطفل القارئ.. فنادرا ما نجد الإشارة إلى المرحلة العمرية على كتاب أو منتج ما للطفل، وهو ما يجعل أولياء الأمور يقعون في حيرة، ونسيء إلى الطفل نفسه إن فرضنا عليه كتابا يفوق سنين عمره!
قاعد الرسامين
الفنان التشكيلي وأحد أبرز رسامي كتب الأطفال صلاح بيصار: لقد تطور أدب الطفل لكن لم تتسع قاعدة مؤلفيه مثلما اتسعت قاعدة رساميه على اعتبار أن النص يوازي الرسم في أدب الطفل. والمشكل الحقيقي على الرغم من تطور كتاب الطفل على المستوى الفني إلا أنه مازال هناك طموح كبير من حيث الاهتمام بالمرحلة السنية (ما قبل المدرسة).
لأنه لا توجد مساحة أدبية كبيرة تستوعب هذا المرحلة تحديدا، وفي الوقت ذاته لا توجد مجلة تخاطب هذه السن رغم صدور بعض المجلات من قبل مثل (ياسين وياسمين) والتي صدر منها العدد التجريبي عن المركز القومي لثقافة الطفل ولم تخرج الى النور، وأيضا ملة (تاتا.. تاتا) التي صدرت في مجموعة أعداد عن المركز القومي لثقافة الطفل أيضا وكانت مجلة ناجحة برئاسة تحرير الكاتبة فاطمة المعدول، والأمر كبير في أن ينهض أدب الطفل في ظل اهتمام مؤسسي عربي قوي نشهده حاليا في العديد من الدول.
لا يوجد أدب أطفال حقيقي
محمود قاسم رئيس تحرير كتاب الأولاد والبنين الأسبوعي الصادر عن مؤسسة دار الهلال يقول: أولا ليس هناك أدب أطفال حقيقي في الأدب العربي الحديث، أي ليس لدينا روايات أطفال، بل هناك ثقافة طفل تتلخص في تبسيط العلوم وتبسيط حكايات التاريخ، وأيضا قصص عن شخصيات، لكن أن يكون لدينا إبداع حقيقي للطفل خاصة رواية للأطفال، فهذا غير موجود، الساحة مليئة بالروايات البوليسية، وهذا ليس من الأدب بالمرة، وبالتالي فإن المشكلات تنحصر في أن يكون هناك كاتب أدب حقيقي، ولعلهم قلة من يكتبون روايات للأطفال مثل محمد المنسي قنديل.
من جانب آخر تقلصت مجلات الأطفال وذلك من حيث نوع الورق والمادة المنشورة وقد بدا هذا واضحا في المجلات الرسمية الحكومية التي تصدرها المؤسسات الصحفية، أما المجلات التي تصدر عن دور نشر خاصة فهي أنيقة ومطبوعة بشكل فخم لكنها أجنبية المحتوى، أي أنها مترجمة ولك أن تتصور أمرها وتأثير ذلك في الكاتب والقارئ والمستقبل.
مبدع الأطفال هو الأقل أجرا
ويرى الشاعر أحمد زرزور الذي أصدر العديد من الدواوين الشعرية للأطفال وترأس مجلة الأطفال قطر الندي: دعنا نعترف أن مصطلح (أدب الطفل) هو مصطلح حديث النشأة عربيا، فلم نكن نعرف إلا ما يسمى النصوص والمحفوظات، التي كان مكانها غرف الدراسة بمراحل التعليم المختلفة، هادفة الى التوجيه وبث الأفكار الإرشادية عن مكارم الأخلاق، لكن لا يمكننا الجزم بوجود منظومة إبداعية عربية لهذا النوع من الكتابة، رغم وجود الأطنان من الكتب في هذا المجال.
إن مبدع الأطفال هو الأقل أجرا، ولهذا دلالة مؤسفة تشير الى غياب الرؤية الحضارية عن العقل العربي بعامة، ذلك العقل الذي يرى المرأة والطفل كائنين من الدرجة الثانية. والسؤال : هل هناك إبداع متميز للطفل العربي، إبداع يعلى من خصوصيته الحضارية من جهة وينفتح على المشتركات القيمية الإنسانية من جهة أخرى في إطار من الحوار والتكافؤ، كل ما هنالك أدب عمومي لطفل عمومي في وطن عمومي كما قلت لك، بحيث لا تستطيع أن تقول هذه قصة مصرية،
وهذه قصة سورية، وأظن أن هذه هي مهمة جامعة الدول العربية من خلال ميزانيتها المخصصة لثقافة الطفل، لماذا لا تصدر مجلة عربية للطفل تخاطب الطفل »المقترب« و»المغترب« في وقت واحد، لماذا لا تصدر كتبا للأطفال العرب تؤكد خصوصيته الحضارية وتحمي من الانخلاع والذوبان في ثقافة الأخر، الأكثر تقدما وإبهارا وجاذبية؟ أين تذهب ميزانية الطفل في جامعة الدول العربية؟ أليس عارا أن ينام أطفالنا على أرصفة الشوارع العربية معرضين لكافة أشكال الانتهاك والاغتيال النفسي والروحي، وهو انتهاك لا يقل بشاعة عن ترك زملائهم ينامون على ثقافة الآخرين معرضين لانتهاكات من نوع آخر، انتهاكات فكرية وأخلاقية مضادة ؟.
أدب من الدرجة الثانية
الشاعر أحمد فضل شبلول الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية لأدب الطفل العام 2008 يرى: من أبرز مشكلات أدب الطفل العربي التي تحول دون حضوره قويا وفاعلا في المجتمع العربي، أن هناك من ينظر إلى هذا الأدب على أنه أدب من الدرجة الثانية أو الثالثة.
وبالإضافة إلى ذلك لا توجد متابعة نقدية حقيقية لما يصدر من كتب للأطفال إلا فيما ندر، ومعظم ما صدر في هذا المجال من كتب عن أدب الطفل مخصص للتدريس في بعض الكليات بعد أن أصبح أدب الأطفال مادة علمية أو أكاديمية تدرس في بعض الجامعات بكليات التربية وكليات رياض الأطفال، ومعظم هذه الكتب تتحدث عن أساسيات أو قواعد الكتابة للأطفال، وكأن هذه الكتابة تخضع لعملية علمية أو حسابية بحتة دون أن تؤخذ الموهبة ونظرة الأديب أو الكاتب للطفولة والحياة في الاعتبار.
واقع الطفل المجلات العربية
يقول د.هشام يوسف مصطفي العربي الأستاذ بكلية الآداب جامعة قناة السويس :أهم المشكلات والقضايا على الإطلاق يمكن أن تتكشف من خلال النظر الى واقع المجلات في مصر والعالم العربي حيث تحفل بالمشكلات سواء ما يتعلق منها بالجوانب الفنية المرتبطة بثقافة الطفل أو ما يتعلق بالمناخ الاجتماعي والثقافي العام وكلا الجانبين مرتبطين ببعضهما مما يجعل من الصعب الحديث عن المشكلات في جانب بمنأى عن الآخر، وإن عدد المجلات لا يتعدى أصابع اليدين.
ومن ناحية أخرى نجد أن توزيع هذه المجلات محدود، وربما ترتبط هذه الإشكالية بأزمة القراءة في مجلات الأطفال على المستوى العربي حيث أكدت إحصائية لليونسكو عام 2000 أن متوسط قراءة الطفل العربي لا يتجاوز ست دقائق في السنة وأن مجموع ما تستهلكه كل الدول العربية مجتمعة من ورق ومستلزمات الطباعة في السنة أقل من استهلاك دار نشر فرنسية، وأن الكتب التي يقرأها الطفل بخلاف الكتب المدرسية خاصة الأدبية والفنية قليلة جدا إن لم تكن معدمة.
تحديد المصطلح
أن »تبسيط العلوم« و»الخيال العلمي« و»معطيات علوم التاريخ والجغرافية والأنثربولوجيا وغيرها« لم تعد خارج مفهوم »أدب الطفل« الآن، وهو ما يجب العمل على تزكيته في الكتابات الموجهة للطفل العربي.. وهو ما يدعونا إلى أهمية توظيف وتفعيل مصطلح »ثقافة الطفل« أفضل من التوقف عند »أدب الطفل«.. حيث أن ثقافة الطفل تتضمن فيما تتضمن الأعمال الأدبية للطفل.
اختيار النصوص
ان عملية اختيار النصوص الأدبية التي تلجأ اليها بعض المؤسسات المعنية لأدباء حقيقيين لا تراعيها المراحل العمرية بعين الاعتبار فلذلك تأتي معظم النصوص المختارة غير مستوفية الشروط وبالتالي لا يجد القارئ الصغير فيها ذاته ولا روحه فيها فلا يتفاعل معها، وربما بطريقة تأتي بنتائج عكسية فيكره الأدب والأدباء والشعر والشعراء بعد أن ينتهي من الامتحان.
بين الثقافة والعلم
العمل المطروح على الطفل، ليس بالهين ولا السهل المتاح عند الجميع، فقد أصبحت الثقافة علما والعلم ثقافة، ولم تعد المادة العلمية أو الأدبية أو الثقافية منفصلة عن بعضها البعض، ويلزم تناولها بما يتناسب والمرحلة العمرية للطفل.. وهو ما يضع على كاهل القائمين على أدب الطفل مراعاة ذلك، وهو ما لم يصل إلى الحد الواجب في مجمل كتاب (بضم الكاف) بعد!


