من الشرق إلى الغرب ومن المحلي إلى العالمي تستقطب دبي الحديثة كل العالم عبر كل المشاريع السياحية المتميزة التي ترفدها بالغني من الثقافات العالمية شرقاً وغرباً، وهذه المرة تجتمع الدول من هنا وهناك في دوحة القرية العالمية في دبي وعلى مساحة 170 ألف متر مربع لتكون هذه القرية الأولى في العالم تقريباً، تقدم فاكهة ثقافية متنوعة المصادر وإن بدا مشهد القرية استهلاكياً لأول وهلة.
غير أن واقع الحال يشير إلى أن القرية بكاملها عبارة عن قوة ثقافية عالمية تستعرض وجودها وتاريخها وتراثها وفولكلورها في مساحات حرة عبر معروضاتها المختلفة حتى ولو كانت معروضات استهلاكية. القرية العالمية في دبي مثال متحضر على تلاقح الثقافات العالمية. وهي أفضل مثال على التوجه الجدي لإستقطاب الثيمة الموضوعية لبذور الثقافات الأولى في المجتمعات العربية والغريبة وزجها في مساحة مفتوحة كي تفصح عن ذاتها بشكل جدي دون رقابة خارجية أو داخلية حتى ولو كانت الترويج لبضاعة كمالية أو غذائية، فمثل هذه البضائع تشف عن اللون الثقافي المحلي لأي شعب من شعوب العالم وقد يبدو هذا مستغرباً للبعض!
لكننا نحيط الآخرين علماً ان الكماليات من الملابس والإكسسوارات تنم عن طبيعة تراث محلي موروث وهو تراث فني ربما يكون بدائياً لكنه تراث احتفظ بسماته الأولى لدى الكثيرين وقد تكون بعض الشعوب أضفت عليه لوناً جمالياً بالاستفادة من علوم مختلفة ؛ كما أن الغذاء هو الآخر يوحي باللون الثقافي الشعبي والمحلي والوطني لكل شعب ويختصر جماليات انسانية كبيرة قد لا نشعرها بشكلها العابر، فالغذاء فاكهة ثقافية تنتج شعباً له سماته الخاصة ووعيه الخاص به. وما يُعرض في هذه القرية الثقافية من جوانبها كلها إضمامة كبيرة لمستويات ثقافية متباينة اندمجت في وحدة كلية والتقت تحت جناح واحد كبير اسمه دبي.
جماليات المياهك جديد القرية هذا العام هو شق قناة مائية تشبه قناة القصباء في الشارقة وتشطر القرية إلى شطرين. الماء هذه المرة عنصر حياة يديم الوجود الإنساني ويفتح أفقاً غنياً بجماليات لا حدود لها، لاسيما ليل القرية الذي يعكس وفرة وافرة من الثريات والأضواء على صفحة القناة. يشاطر الماء أيضاً تصميم جديد لتسهيل عملية تنقل آلاف الزوار الذين يديمون نبض القرية ويحركون أوصالها الغنية عبر الأجنحة العديدة التي تشير إلى الدول المشاركة، كما يتيح التصميم المميز لمسرح القرية لأكبر عدد من الزوار مشاهدة العروض الفولكلورية والغنائية والموسيقية التي تقام عليه، كي تخرج القرية من هدف الاستهلاك اليومي إلى هدف العرض الثقافي الشعبي على وجه الخصوص ؛ فالشعبي انعكاس اجتماعي حضاري للشعوب، وبالتالي هو المتأصل في الذاكرة الشعبية المحلية الذي يبقى مهما تطورت أنظمة التكنولوجيا وتعقدت الحياة في ظل العولمة الجديدة.
التنوع الثقافي في تصميمات الأجنحة
خارجياً يمكن مشاهدة النوع الحضاري للبلدان التي تساهم في تأسيس هذا التلاقي النوعي، فالهند تعكس واجهتها شكلاً أولياً من أشكال حضاراتها المختلفة، فوفرة الأضواء وتشكلاتها اللونية الساطعة أضفت مسحة جمالية على جناحها الضخم الذي صُمم بهيئة معبد ازدحمت على سطحه وجوانبه الألوان كلها لاسيما الوردي منها فيزيد الجناح إبهاراً وسطوعاً، ورسومات الطيور لاسيما الطاووس الذي يتصدر واجهة الجناح، فالطيور على أشكالها ارتبطت بالحياة الهندية رمزاً وإيحاءً لآلهة هندوسية انحفرت في ضمائر الهنادكة؛
ويُعرف عن المواطن الهندي حبه بالألوان الحارة والنشرات الضوئية التي تختلط فيها أشكال كثيرة من الألوان المبهجة والبهيجة، فطبيعة البلاد تتحمل هذا النزوع اللوني لكثرة الأعياد والمناسبات وعلاقتها بالآلهة المحلية، لذا جاء جناح الهند متفرداً بهذا التصميم الذي يلفت الأنظار إليه، فيما ذهب الجناح العراقي إلى تصميم تاريخي هو بوابة بابل الشهيرة في التفاتة لاستقدام الحضارة البابلية القديمة وجعلها في متن الجناح كعلامة دالّة على النوع الثقافي الحضاري الأصيل في بُعده التاريخي الرامز إلى متن حضاري معروف.
وفي الوقت الذي ذهبت في الصين إلى تصميماتها المعروفة ببناء البيوت ذات الهيئة المتدرجة المجنحة كشكل ثابت للبيت الصيني القديم والحديث بعمارته التاريخية، فإن الجناح المصري المصمم على شكل هرم مرتفع، استقدم الحضارة الفرعونية بكل تجلياتها التاريخية المعروضة ووضع الكثير من الرسوم المعبّرة عن الآلهة المصرية القديمة وشخصياتها الملكية المترفة تعبيراً عن تضامن التاريخ والمعاصرة ولو بوجهها الاستهلاكي، لكنه تاريخ مفعم بالحضور والترميز النوعي.
كما أن معظم الدول الأفريقية وضعت إشارات تدل على نوعها المحلي والتراثي، فالجناح السنغالي وضع زرافة عملاقة في باب جناحه وخلفها صورة أسد، كما لو أنه يهيئ الزائرين لدخول غابة فسيحة لكنها غامضة مع حفنة ألوان متداخلة دلالة لغابة أو غابات تشير إلى النوع الأفريقي المتميز بطبيعته الثرية فيما كان الجناح الأوربي تعلوه قمة خشبية بشكل كعكة ميلاد وأمام بوابته برج إيفل الفرنسي الشهير كعلامة حضارية من حضارات الفن الأوربي المتقدم الذي ما يزال يحتفظ بجمالياته الفنية والتاريخية.
تغذية ثقافية بين الشرق والغرب
داخلياً ثمة أغذية وأقمشة وعطور وكماليات وسجاجيد وملابس وإكسسوارات وذهب وفضة وأطعمة ولوحات فنية تجارية وسيراميك وكتب مطبخية وألبسة وأقمشة ومستحضرات تجميل وإعشاب طبية وأزياء مستحدثة وصوابين عشبية وزهور وبخور وما إلى ذلك من مفردات يومية، هي تحصيل حاصل لثقافات شعبية وطنية محلية تبلورت وأنتجت سماتها الذاتية في سوق الاستهلاك العالمي، وهي تنويع بانورامي لحصيلة اجتماعية مرت بمختبرات نفسية واجتماعية متعددة حتى استقرت على أشكالها الحالية.
أن هذا الخليط يتجانس ؛ وإن بدا متفرقاً في خصائصه ؛ تحت سقف ثقافة معولمة لا تستلب منه سماته الفردية مهما اندغمت تحت أي سقف وتحت أي عنوان، فاللون الأفريقي يبقى صامداً أمام مد العنفوان الصيني المتعدد محتفظاً بخصاله المحلية كافة ولو بدا الأخير متفوقاً بتقنيته الصناعية، وعطر العود العربي يظل متميزاً بحرافته مهما أنتجت باريس من عطور شذية من شاليمار وشانييل، والكندورة الخليجية مزاج خليجي متميز لا يتغير أمام موديلات ايفان سان لورين وبيير كارديان؛
كما أن الفلفل الهندي لا يضاهيه أي منتوج عالمي في لسعته وفورانه ولذته أيضاً، ويدخل اليشماغ العراقي المرقط منافساً لليشاميغ الخليجية لمتانته وندرته أيضاً في هذه السوق، وتبقى المشغولات الحرفية اليدوية الأفريقية متينة وجاذبة كتحفيات لا غنى للبيت العربي والأجنبي عنها أمام مد الصناعات التكنولوجية والإلكترونية ؛فيما يبقى السجاد الأفغاني بحرفيته القوية منافساً للسجاد الإيراني ذائع الصيت؛ وهكذا تتجانس الموجودات وتتجاور الثقافات المحلية تحت سقف العولمة بذاتية مفرطة لا تتيح المجال لذوبانها في أقبية الهالات الإعلامية التي تتقصدها بعض المنتجات ذات الاستهلاك الفوري الرخيص.
ونخلص إلى أن سقف العولمة من جانبه الثقافي سقف يشي بالكثير من التفاعل والتلاقح والاستفادة المزدوجة لإبداعات الآخر، خاصة ذو البنية التراثية والمحلية الضارب في أعماق التاريخ والحضارة الإنسانية فهو القادر على البقاء والديمومة والمنافسة أيضاً لتوافقه الضمني مع العصور كلها مهما امتدت واتسعت وتعقدت في صناعتها.
ألعاب تقارِب ثقافات العالم
خارجياً أيضاً ثمة مدينة ألعاب ترفيهية كبيرة صاخبة بالزائرين من مختلف الأعمار ؛ ارتدت هذا العام بدلة أخرى انكشفت فيها مفاتنها الترفيهية بحيث أصبحت واحدة من اكبر مدن الألعاب في العالم وهي تمتد على مساحة 22 ألف متر مربع وتضم 120 لعبة منها ما صنع خصيصا للمدينة ويوضع لأول مرة في متناول الجمهور في منطقة الشرق الأوسط.
أن هذا الترف الترفيهي له ما يبرره على المستوى النفسي والثقافي فدبي مدينة عالمية بتشكيلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياحية الوافدة من منافذ العالم وبواباته المختلفة. يلتقي فيها الشرق والغرب ويتفاعل مع معطياتها الكثيرة، وهذه المدينة الترفيهية الواقعة في الصحراء تحولت إلى لغة مشتركة بين الوافدين، لتجتذب الصغار والكبار معاً بألعابها الترفيهية والرياضية والجسمانية، فتضفي على المدينة لوناً زاخراً بالنشاط والحركة والجمال، لاسيما الرياضات المائية السريعة والتزحلق المائي بالقوارب الصغيرة، وهي لون ثقافي يتجانس أخيراً مع ألوان ثقافة الاستهلاك اليومي المعروض داخل أجنحة المدينة الكبيرة.
فعلاقة المكان بالماء علاقة أزلية، معروفة بتضامنها الطبيعي مع الآخرين في وجودهم اليومي أينما كانوا. وهذه الرياضات تفتح أفقاً نفسياً لدى التلقي العام بوصفه يشغل حيزاً من المكان في الصحراء المترامية.وهو حيز مهم في إقامة علاقة متوازنة مع البيئة الصحراوية تسببها ثقافات محلية وعالمية وفدت إلى المكان وأغدقت عليه الكثير من البهاء والجمال في حركة يومية دائبة.
انفراد الجناح العراقي
انفرد الجناح العراقي في القرية العالمية بكونه الجناح الوحيد الذي اشتمل على معروضات فنية وسيراميكية كثيرة على حساب المعروض الاستهلاكي كما في بقية الأجنحة. وتضمن مشغولات تراثية يدوية بعضها ينتمي إلى حقب تاريخية قديمة وكانت هي الأخرى الأكثر بين معروضات الأجنحة العربية والعالمية.
15 ألف سيارة
أضيف موقف آخر للسيارات يتسع لحوالي 2000 سيارة بالإضافة إلى الموقف الرئيسي الذي يتسع لحوالي 13 ألف سيارة. وهذا يكشف حجم الإقبال الكبير من المواطنين والجاليات العربية والأجنبية لزيارة هذه القرية العالمية.
خدمات كبيرة
جُهزت القرية العالمية بالخدمات الرئيسية من دورات مياه ومراكز استعلامات وأماكن خاصة للصلاة ومركز للشرطة وآخر للدفاع المدني.وتتوفر فيها خيام الضيافة والاتصالات وخدمات البريد والمصارف والصرافة، إضافة إلى مركز المعلومات ومقر الدفاع المدني وغيرها.
وارد بدر السالم



